VILLAGE D'AZAÏLS tbahriti azzedine
VILLAGE D'AZAÏLS

كـتاب الفضائل

 

 

صفوة المسائل في التوحيد والفقه والفضائل

كـتاب الفضائل

 

محمد نصر الدين محمد عويضة


 

(مقـدمـة)

هذا هو القسم الثالث من الكتاب والذي يتضمن الفضائل التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها سيراً على منهج السلف الصالح حيث كان يتعلمون الأدب مع العلم لأن العلم بلا أدب يجني على صاحبه ويهلكه ، فأُبين كلَ فضيلةٍ يجب على طالب العلم أن يتحلى بها ثم أعقبها بالرذيلةِ التي تُضادها ليتخلى عنها طالب العلم لينشأ طالب العلم متحلياً بالفضائل متخلياً عن الرذائل متأسياً بالنبي r .

أبو رحمة / محمد نصر الدين محمد عويضة

المدرس بالجامعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة فرع مدركة ورهاط وهدى الشام

6/9/1416 هجرية

  

 


 

 

 

باب فضيلة العلم

                           

                           

مسألة : ما هو فضل العلم ؟

للعلم فضلٌ عظيم ،وأجرٌ جسيم ، العلم أثمن درة في تاج الشرع المطهر ولا يخفى على كل مسلم أن العلم مهم، حتى إن كل إنسان يدعيه لنفسه حتى الجاهل لا يرضى أن يقال عنه جاهل، ويفرح أن يقال عنه عالم!

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه وكفى بالجهل ذمّاً أن يتبرأ منه من هو فيه ، العلم أشرف ما رغب فيه الراغب ، وأفضل ما طلب وجدَّ فيه الطالب ، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب .

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لكميل : " احفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة ، فعالم رباني ، وعالم متعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، العلم يزكو على العمل ، والمال ينقصه النفقة ، ومحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه ، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه ، مات خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة " .

فللعلم مقام عظيم في شريعتنا الغراء ، فأهل العلم هم ورثة الأنبياء ، وفضل العالم على العابد كما بين السماء والأرض .

فعن قيس بن كثير قال : قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي ؟ فقال : حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : أما جئت لحاجة ؟! قال : لا .

قال : أما قدمت لتجارة ؟! قال : لا .

قال : ما جئت إلا في طلب هذا الحديث .

قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر

والعلماء هم أمناء الله على خلقه ،‏ وهذا شرف للعلماء عظيم ، ومحل لهم في الدين    خطير ؛ لحفظهم الشريعة من تحريف المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، والرجوع والتعويل في أمر الدين عليهم ، فقد أوجب الحق سبحانه سؤالهم عند الجهل .

قال تعالى : " فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " [النحل/ 43]

وهم أطباء الناس على الحقيقة ، إذ مرض القلوب أكثر من الأبدان ، فالجهل داء ، ودواؤه العلم (لحديث جابر في صحيح أبي داود ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإنما شفاء العي السؤال .

ومرضى القلوب لا يعرفون مرضهم ، كما أن من ظهر على وجهه برص ولا مرآة له لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره ، والدنيا دار مرض ؛ فكما أنَّه ليس في بطن الأرض إلا ميت ، فكذلك ليس على ظهرها إلا سقيم ، والأسقام تتفاوت وتتنوع ، والعلم هو ترياقهم فتدبر في (حديث أسامة بن شريك في صحيح السنن الأربعة ) أن النبي  صلى الله عليه وسلم : " تداووا فإِنَّ اللّه تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ: الهرم .

 

  ****والكتاب والسنة طافحان بما يدل على فضل العلم

ومن ذلك ما يلي :

1) قال الله تعالى : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " [ آل عمران / 18]

فأهل العلم هم الثقات العدول الذين استشهد الله بهم على أعظم مشهود ، وهو توحيده جل وعلا ، وهذا هو العلم الحقيقي ، العلم بالله تعالى وأسمائه  وصفاته ، وموجب ذلك ومقتضاه من الإيمان برسله وكتبه والإيمان بالغيب حتى كأنه مشاهد محسوس .

فهذه المزية الكبرى للعلم وأهله ، أنَّه يدل على صراط الله المستقيم ، أنَّه الوسيلة العظمى للقرب من الله تعالى ، وموجب لإحاطة محبته بالقلب ، فمتى عرفت الله اجتمع قلبك على محبته وحده جل وعلا ؛ لأنَّ له وحده الأسماء الحسنى   والصفات العلا .

فهذا هو العلم وهذه هي ثمرته . رزقنا الله وإياك الشجرة والثمرة إنه جواد كريم

2) وقد بوَّب الإمام البخارى بابًا فقال: " باب العلم قبل القول والعمل" ؛  لقوله تعالى :   " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " [ محمد/19 ]

سئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال : ألم تسمع قوله حين بدأ به " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " [ محمد/19 ]  فأمر بالعمل بعد العلم .

فالعلم مقدم على القول والعمل ، فلا عمل دون علم ، وأول ما ينبغي تعلمه  " التوحيد " و "علم التربية " أو ما يُسمَّى بعلم " السلوك " فيعرف الله تعالى ويصحح عقيدته ، ويعرف نفسه وكيف يهذبها ، وأنت تلحظ هذا الارتباط بين العلم بالتوحيد " فاعلم أنَّه لا إله إلا الله " وبين التربية والتزكية التي من ثمارها المراقبة ودوام التوبة " واستغفر لذنبك "

3) والعلم نور يبصر به المرء حقائق الأمور ، وليس البصر بصر العين ، ولكن بصر القلوب ، " فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور "  [الحج/46]  ؛ ولذلك جعل الله الناس على قسمين : إمَّا عالم أو أعمى  فقال الله

تعالى : " أ فمن يعلم أنَّما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى "  [ الرعد/19] .

ولذلك عبَّر الله تعالى بفعل " رأى " دلالة على العلم في قوله تعالى : " ويرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق " [سبأ /6]  فلم يقل :  " ويعلم " وهذا ـ والله أعلم ـ إشارة إلى العلم وأثره في القلوب ، التي صارت به تبصر وترى الحق ، ولا يلتبس عليها بالباطل .

وهذا واضح في (حديث حذيفة الثابت  في صحيح مسلم ) أن النبي r قال :  تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودا عُودا ، فَأَيّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْل الصّفَا ، فَلاَ تَضُرّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادا كَالْكُوزِ مُجَخّيا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرا،  إِلاّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ .

4) والعلم يورث الخشية

قال الله تعالى : " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [ فاطر/28]

وقال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا " [ الإسراء /107-109 ]

5) وقد مدح الله أهل العلم وأثنى عليهم ، فجعل كتابه آيات بينات في صدورهم ، به تنشرح وتفرح وتسعد .

قال الله تعالى : " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " [ العنكبوت/49]

6) وقد أمرنا الله تعالى بالاستزادة من العلم وكفى بها من منقبة عظيمة للعلم .

قال الله تعالى : " وقل رب زدني علمًا " [ طه/ 114]

قال القرطبي : فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم.

7) والعلماء هم ورثة الأنبياء ، وهم أهل الذكر ، الذين أمر الناس بسؤالهم عن عدم العلم قال الله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [ النحل/43]

8) وأخبر الله عن رفعة درجة أهل العلم والإيمان خاصة .

وقال تعالى( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ  )  ( المجادلة/11)

قال ابن عباس رضي الله عنهما

******************* للعلماء درجاتٍ فوق المؤمنين بسبعمائة درجة بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام

9) والعلم أفضل الجهاد ، إذ من الجهاد جهاد بالحجة والبيان ، وهذا جهاد الأئمة من ورثة الأنبياء ، وهو أعظم منفعة من الجهاد باليد واللسان ، لشدة مؤنته ، وكثرة العدو فيه .

قال تعالى : " ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا " [ الفرقان / 51-52 ]

يقول ابن القيم : "  فهذا جهاد لهم بالقرآن ، وهو أكبر الجهادين ، وهو جهاد المنافقين أيضًا ، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين ، بل كانوا معهم في الظاهر ، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ، ومع هذا فقد قال تعالى : " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم " ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن .

والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ، ودعوة الخلق به إلى الله " وتدبر في (حديث  أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r  قال :  من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله ، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره " 

10) ولم يجعل الله الغبطة إلا في أمرين : بذل المال ، وبذل العلم ، وهذا لشرف الصنيعين ، وحث النَّاس على التنافس في وجوه الخير .

عن عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها

{تنبيه} : المقصود بالحسد هنا [ الغبطة] لأن الحسد لا يحل في اثنتين ولا ثلاث .

11) ولا ينقطع عمل العالم بموته ، بخلاف غيره ممن يعيش ويموت ، وكأنَّه من سقط المتاع ، أمَّا أهل العلم الربانيون الذين ينتفع بعلمهم من بعدهم فهؤلاء يضاعف لهم في الجزاء والأجر شريطة الإخلاص .

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له "

12) وكل ما في الدنيا هالك وإلى زوال ، تتنزل عليه اللعنات ، والمرحوم من ذلك صنفان من النَّاس : أهل العلم وطلبته ، والعابدون الذاكرون الله كثيرًا .

فتدبر في ( حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة )  أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما .

13) وبالعلم يعظم أجر المؤمن ، ويصحح نيته ، فيحسن عمله ، وإذا كان النَّاس لا يشغفون بالمال عن العلم ، فإنَّ فضل العلم على المال أعظم ، وقد فصل لنا الشرع في هذه القضية ، فقد قسَّم رسول الله النَّاس على أصناف أربعة ، جعل الناجين منهم صنفين ، وهما من تلبث بالعلم .

(حديث أبي كبشة الأنماري في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال :  إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ  الْمَنَازِلِ عند الله  وَرجلٍ  رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ سَوَاءٌ ،  وَرجلٍ  رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو  بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله  وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ

والشاهد هنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل العلم الحقيقي هو العلم الذي يبصر المرء بحقائق الأمور ، فصاحب المال إذا لم يتحلَ بالعلم فإنَّه سيسيء التصرف فيه ، فتجده ينفقه على شهوات نفسه ، ولا يعرف شكر هذه النعمة ، ولذلك استحق أن يكون بِأَسوءِ المنازل ، والعياذ بالله .

وجعل العالم يعرف قدر المال الحقيقي ، فيم ينفق ؟ فبعلمه نوى نية صالحة فصار بأحسن المنازل ، وإن لم ينفق .

14) ومن رزق فقهًا في الدين فذاك الموفق على الحقيقة ، فالفقه في الدين من أعظم المنن .

(حديث معاوية في الصحيحين) أن النبي r قال : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و إنما أنا قاسم و الله يعطي و لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز و جل  . ‌

15) والعلم مقدم على العبادة ، فإنَّ فضلا في علم خير من فضل في عبادة ، ومن سار في درب العلم سهل عليه طريق الجنة .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة .

( حديث أبي الدرداء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال :  من سلك طريقا يلتمس  فيه علما سلك الله به طريقا من إلى  الجنة و إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم و إن العالم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض حتى  الحيتان في البحر و إن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب و إن العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا و لا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر  .

16) ويكفي صاحب العلم فضلاً أنَّ الله يسخر له كل شيء ليستغفر له ويدعو له

( حديث أبي الدرداء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال :  من سلك طريقا يلتمس  فيه علما سلك الله به طريقا من إلى  الجنة و إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم و إن العالم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض حتى  الحيتان في البحر و إن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب و إن العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا و لا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر  .

17) وطلبة العلم هم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم  :  مرحبا بوصية رسول الله و أقنوهم   . ‌

قلت للحكم : ما أقنوهم ؟ قال : علموهم .

18) وأهل العلم الذين يبلغون الناس شرع الله تعالى هم أنضر الناس وجوهًا ، وأشرفهم مقامًا ، بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم .

(حديث زيد بن ثابت في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال :    نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه و رب حامل فقه ليس بفقيه.

معنى  نضَّر الله : الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة

قال سفيان ابن عيينة :

*************  ما من أحدٍ يطلب الحديث إلا في وجهه نضرة

19) ومن شرف العلم وفضله أنَّ الله امتن على أنبيائه ورسله بما آتاهم من العلم ، دلالة على عظم المنَّة .

فذكر نعمته على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى : " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا " [ النساء/113 ]

ووصف خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بأنَّه كان أمة ، أي جامعًا لصفات الكمال من العلم والعمل .

قال تعالى : " إنَّ إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه " [ النحل/ 120-121 ]

وقال جل وعلا عن نبيه يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام  : " ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين " [ يوسف / 22 ]

وقال في كليمه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين " [ القصص/114 ]

وقال في حق المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : " يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " [ المائدة / 110 ] 

20) قال علي بن أبي طالب : ومن شرف العلم وفضله أنَّ كل من نسب إليه فرح بذلك ، وإنْ لم يكن من أهله ، وكل من دفع عنه ونسب إلى الجهل عزَّ عليه ونال ذلك من نفسه ، وإنْ  كان جاهلاً .

قال الحسن البصري رحمه الله تعالى :

*********************** لولا العلماء لصار الناس كالبهائم

وقال معاذ ابن جبل رضيَ الله تعالى عنه :

************************* تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ، وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة .

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : العلم لا يعدله شيء إذا صحت نيته .

21) وبين النبي r أن فضل العلم على العبد كفضلهr على أدنانا 

(حديث أبي أمامة في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : فضل العلم على العبد كفضلي على أدناكم .

22) وبين النبي r أن العلم يترتب عليه الأجر الوفير لدلالة الناس على الخير

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال :   من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا  . ‌

23) أثنى النبي r على من أقبل على العلم تعلماً وتعليماً :

 

( حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين ) أن النبي r قال :   مثل ما بعثني الله به من الهدى و العلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب الكثير و كانت منها أخاذات  أمسكت الماء فنفع الله بها الناس شربوا منها و سقوا وزرعوا و أصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلأ فذلك  مثل من فقه في دين الله و نفعه ما بعثني الله به فعلم و علم و مثل من لم يرفع بذلك رأسا و لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به  . ‌

شرح الحديث :

*********  قسَّم النبي r الناس من حيث قبول العلم والانتفاع به إلى قسمين :

القسم الأول :

******** وهو قسمٌ محمود ، وينقسم إلى نوعين :

1)               نوعٌ كالأرض النقية التي تقبل الماء فتستفيد في نفسها ثم تفيد غيرها بإنبات الكلأ والعشب الكثير ، وهؤلاء هم الفقهاء أولي الفهم لأنهم فهموا فاستفادوا ثم أفادوا

2)                نوعٌ آخر محمود ولكنه دون النوع الأول ، وهم كالأرض الصلبة (أخاذات) التي تجمع الماء وتحفظه لينتفع به الناس من السقي والزراعة والشرب ، فهؤلاء كالمحدثين الذين لم يُرزقوا الفقه والفهم بل حفظوا العلم ونقلوه لغيرهم ليستفيدوا به .

{تنبيه}: ليس المقصود بذلك أن كل محدثٍ ليس بفقيه فهناك كثيرٌ من العلماء جمعوا بين الحديث والفقه كالإمام أحمد والإمام البخاري رحمهما الله تعالى

القسم الثاني

******* قسمٌ مذموم لم يهتم بالعلم ولم يرفع بذلك رأساً ولم يشغل باله بالعلم لا تعلماً ولا تعليماً ولا حفظاً ولا سماعاً ، فلم ينتفع بالهدى والعلم وعاش هائماً في الضلال بل ربما كان أضل من حمار أهله

  • ·        وبين النبي r أن طلب العلم من المسالك المؤدية إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم ، وإن العلم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء

 

حكم تعـلم العـلم

مسألة : ما حكم تعلم العلم ؟

حكم تعلم العلم على التفصيل الآتي

*********************

1)                فرض عين : وهو ما يتعين وجوبه على الشخص ، وعليه يحمل الحديث الآتي

 

(حديث أنس في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم .

وهذا العلم هو علم التوحيد لأن التوحيد مقدَّمٌ على العمل والأصلُ الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشرك عمل . ، وهو كذلك ما لا بد منه لصحة العبادات كعلم الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة

2)                فرض كفاية

********** وهو التوسع في العلوم ودقائقها ومباحثها ويدخل في هذا النوع كل علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب فإنه ضروري في حاجة بقاء الأبدان على الصحة ، والحساب فإنه ضروري في قسمة المواريث والوصايا وغيرهم 

ماذا نعني بالعلم ؟ وكيف يطلب ؟

 

حين نقول العلم ، فإنما نريد أن تعلم الأمة ،  كل الأمة ، جميع الأمة ،  صغاراً وكباراً ، رجالاً  ونساءً ، حكاماً ومحكومين ، فكل أفراد الأمة على التعيين عليهم

أنْ يعرفوا الله :  الله  جل وعلا الذي  يعبدونه ، الله  الذي استسلموا له بالإسلام ، أن يعرفوا الله. من خلال عقيدة صحيحة صافية سليمة نقية واضحة .

وأن يعرفوا رسوله : فيعرفوه معرفة حقيقية ؛ ليتبعوه ، وليحبوه ، وليوالوه ، وليقتدوا ويتأسوا به ، ولا يتركوا شيئاً من سنته وعمله إلا عملوه .

وأن يعرفوا ما تلزم معرفته من أمر الدنيا والدين إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وللوسائل حكم المقاصد .

وتدبر في (حديث أنس الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم . وتأتى هذه الأهمية بعد قضية الإيمان بالله عز وجل ، فأول واجب على كل مسلم الإيمان بالله تعالى ، ويليه العلم ؛ لأنَّك بالتعلم تصحح إيمانك وعقيدتك ، وتصحح عملك ، فالتعلم هو الوسيلة التي يتمكن بها المكلف من تصحيح إيمانه ، ومن تصحيح عمله .

والتعلم له طريقان بحسب طاقة الناس :

1) فمن كان قادراً على تلقى العلم من شيوخه بالجلوس عند ركبهم ، ودراسة العلوم عليهم ، وجب عليه أن يتعلم الحد الواجب من العلوم بهذه الطريقة .

2) ومن لم يكن قادراً على ذلك فليتعلم بطريقة السؤال ؛ يسأل أهل الذكر وأهل العلم عن المسائل الضرورية التي يصحح بها عمله ، ويصحح بها إيمانه..

قال الله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون " [ النحل /43 ]

وقال صلى الله عليه وسلم " فإنَّما شفاء العي السؤال " وهو ثابت في صحيح أبي داود عن جابر رضي الله تعالى عنه .

وقد سلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا المسلكين  ، كلٌ على قدر طاقته ، وعلى قدر إمكاناته ، فالمهاجرون والأنصار الذين كانوا معه  في المدينة النبوية المباركة أكثرهم تلقوا العلم من فم رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ومن لم يسمعه من فمه صلى الله عليه وسلم يسمعه عمن سمعه منه صلى الله عليه وسلم ،. وكانوا يتناوبون على سماع العلم منه صلى الله عليه وسلم  .

في الصحيحين عن عبد الله بن عباس عن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يومًا ، وأنزل يومًا ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك ..

وكثير من المسلمين في عهده الذين لم يستطيعوا التعلم بهذه الطريقة تلقوه بطريق السؤال ، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل حدب وصوب يسألون عن الضروري من أمور دينهم ، فيجيبهم صلى الله عليه وسلم  بأوجز وأبلغ عبارة ، فيفهمون المراد ، ويرجعون إلى بلادهم وأقوامهم ، يبادرون إلى العمل .

فهذا رجل من ثقيف يأتي بعد أن امتن الله على قبيلته فدخلت في الإسلام لكن ذلك كان في فترة متأخرة ، فيرغب في الخير الذي حصَّله من سبقه ، فيسأل النبي سؤالاً جامعًا ، ويجيبه النبي بإجابة بليغة وجيزة .

عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ـ وفي رواية "غيرك " ـ قال : قل آمنت بالله فاستقم وهو ثابت في صحيح مسلم .

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفرحون بمجيء أحد من الأطراف ، خاصة إذا كان من البادية ؛ لأنهم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل كان الصحابة يتهيبون  من سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها .

ولذلك قال أنس : كنا نهاب أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ،

وكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ، ونحن نستمع .[1]

وذلك بعد أن أنزل الله تعالى قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" [ المائدة/101 ]

بل وحتى النساء كن يحرصن على سؤاله صلى الله عليه وسلم ، وتعلم أمور الدين منه صلى الله عليه وسلم  ، فكانت المرأة من الصحابيات إذا استحيت أن تسأله مباشرة ، سألته بواسطة بعض أمهات المؤمنين إذا كان الأمر يتعلق بشيء مما يستحي منه النساء ، وأما في غير ذلك فيسألنه صلى الله عليه وسلم ، ويحرصن على تلقي العلم منه .

(حديث عائشة في الصحيحين )  أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل .  قال خذي ِفرصةٍ من مسكٍ فتطهري بها. قالت كيف أتطهر بها  ؟ قال تطهري بها . قالت كيف ؟  قال سبحان الله تطهري بها .  فاجتبذتها إليَّ فقلت تتبعي بها أثر الدم .

وسألته عن غسل الجنابة فقال : تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تفيض عليها الماء .

فقالت عائشة نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في  الدين .

فهذه طريقتهم في طلب العلم وحرصهم عليه وحسن سؤالهم عن شئونهم الحقيقية ، وتوصيفهم الصحيح لواقعهم بعد فهمهم الدين ، فلم يكونوا يفترضون الأمثلة ، ولا يطرحون الأمثلة للترف العلمي والفكري ، فتعلموا ونقلوا الدين  بأمانة ، فوصلنا الدين من خلال هؤلاء الصحابة العلماء الأجلاء كاملاً مكملاً ، فلا تجد ثغرة في ديننا ولا مسألة إلا وعندك منها علمًا ، فجزى الله رسوله صلى الله عليه وسلم عنَّا وعن أمة الإسلام خير الجزاء ، وجزى صحابته خير الجزاء ، وإنما أعرضوا عمَّا لا ينفع ، وهذا ما علمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما جاءه رجل يقول : متى الساعة ؟ قال : وماذا أعددت لها .

فأحاله على ما ينفع ، ودله على أن يسأل عمَّا يفيده في دينه ، وينفعه في آخرته ، فأين اليوم أنت ـ أخي طالب العلم ـ من هؤلاء ، وكيف تطلب ؟ وعمَّ تسأل ؟ وفيم تبحث ؟!!!

 


آداب طالب العلم

مسألة : ما هي الآداب التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها ؟

 

لقد قدَّم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد جملةً من الآداب التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها وهي في حقيقتها جملة من نصائحٍ ذهبية صادرةٌ عن إخلاصٍ وحسنِ طوية – نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحد _ أرجو أن تعرها سمعك وفكرك وأن تجد لك في سمعك مسمعاً وفي قلبك موقعاً وأن تتقبلها بقبولٍ حسن عسى الله تعالى أن ينفعك بها ويوفقك إلى تطبيقها . وهي على الترتيب الآتي :

   أولا :  آداب طالب العلم في نفسه

ثانياً  : آداب طالب العلم مع شيخه

ثالثاً : آداب الزمالة

رابعاً : آداب طالب العلم في حياته العلمية

خامساً : التحلي بالعمل

سادساً : تأدية زكاة العلم

سابعاً  : التحلي بعزة العلماء

ثامناً  : صيانة العلم

تاسعاً : التحلي بالمدارة وليس المداهنة

عاشراً : التحلي بالغرام بالكتب

الحادي عشر :  التخلي عن المحاذير التي لا تجعل العلم نافعاً فتقلبه من نورٍ على نار .

وإليك أخي تفصيل هذه الآداب :

*******************

   أولا :  آداب طالب العلم في نفسه :

1)              العلم عبادة :

أصل الأصول في هذه "الحلية" بل ولكل أمر مطلوب علمك بأن العلم عبادة، قال بعض العلماء : ”العلم صلاة السر، وعبادة القلب”.

وعليه، فإن شرط العبادة إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، لقوله:

(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) [ البينة : 5]

وتدبر في (حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الصحيحين)  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه  . ‌

فإن فقد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، وانقلب من نورٍ إلى نار ولا شيء يحطم العلم مثل: الرياء؛ رياء شرك، أو رياء إخلاص  ، ومثل التسميع؛ بأن يقول مسمعاً: علمت وحفظت ، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه .

(حديثُ أبي هريرةَ صحيح مسلم ) : أن النبي r قال - قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك ، من عمل عملاً أشركَ فيه معي غيري تركته وشركه

(حديثُ جندب ابن عبد الله في الصحيحين ) : أن النبي r قال من سمَّعَ  سمَّعَ الله به ومن يُرائي  يُرائي الله به . .

(حديثُ أبي أُمامة صحيح النسائي ) : أن النبي r قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وَجهُهُ

2)                وعليه؛ فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلماً لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية، أفسدتها، وذهبت بركة العلم،  يجب عليك أن تخلص النية في طلب العلم وأن تبتغي بذلك وجه الله تعالى وأن يكون قصدك من تعلم العلم أن تنفي الجهل عن نفسك فتستفيد ثم تفيد على قاعدة ( اللهم اهدنا واهدي بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى ) وليحذر أن يكون قصده أن يصيب عرضاً من الدنيا أو ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء فإن ذلك يحبط العمل ويجعله متعرضاً لسخط الله تعالى

والله تعالى يقول ( مَن كَان  يُرِيدُ الْحَيَاةَ  الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ،    أُوْلَـئِكَ    الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) { هود/15 ،16 }

) حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود وابن ماجة) أن النبي  r  قال : من تعلم  علما مما .  يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة   .

 ( حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال  لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا  تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار.

 

ولهذا يتعين عليك أن تحمى نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمى الحمى.

وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفاً منها في المبحث الأول من كتاب "التعالم"، ويزاد عليه نهى العلماء عن "الطبوليات"، وهى المسائل التي يراد بها الشهرة.

وقد قيل:"زلة العالم مضروب لها الطبل" .

وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال:

"كنت أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة، سلبته" .

فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون - مع بذل الجهد في الإخلاص - شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه.

ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: "ما عالجت شيئاً أشد على من نيتي".

وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده "يا أبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بنى ! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة .

وفقك الله لرشدك آمين.

الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة ومحبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتحقيقها بتمحض المتابعة وقفوا الأسر للمعصوم.

قال الله تعالى:

(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم).

وبالجملة؛ فهذا أصل هذه "الحلية"، ويقعان منها موقع التاج من الحلة.

فيا أيها الطلاب! هاأنتم هؤلاء تربعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق (طلب العلم)، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة، وهى مهبط الفضائل، ومتنزل المحامد، وهى مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا.

كن على جادة السلف الصالح:

كن سلفياً على الجادة، طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم، فمن بعدهم ممن قفا أثرهم في جميع أبواب الدين، من التوحيد، والعبادات، ونحوها، متميزاً بالتزام آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال، والمراء، والخوض في علم الكلام، وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع.

قال الذهبي رحمه الله تعالى :

"وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام. قلت: لم يدخل الرجل أبداُ في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً" ا هـ.

وهؤلاء هم (أهل السنة والجماعة) المتبعون آثار رسول الله ، وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

"وأهل السنة: نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس" اهـ.

فالزم السبيل (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).

2) ملازمة خشية الله تعالى:

التحلي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى؛ محافظاً على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها؛ دالاً على الله بعلمك وسمتك وعلمك، متحلياً بالرجولة، والمساهلة، والسمت الصالح.

وملاك ذلك خشية الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:

"أصل العلم خشية الله تعالى". فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم، إذن فخير البرية هو العالم، ولا يغب عن بالك أن العالم لا يعد عالماً إلا إذا كان عاملاً، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لزمته خشية الله.

وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية برواية آباء تسعة، فقال : أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة ابن عبد الله التميمي من حفظه؛ قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبى يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول:

"هتف العلم بالعمل، فإن أجابه، وإلا ارتحل" ا هـ.

وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى.

3) التحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر.

فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه.

4) خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء:

تحل بآداب النفس، من العفاف، والحلم، والصبر، والتواضع للحق، وسكون الطائر، من الوقار والرزانة، وخفض الجناح، متحملاً ذل التعلم لعزة العلم، ذليلا للحق.

وعليه، فاحذر نواقض هذه الآداب، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهداً على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والخيلاء، فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه عند السلف مبلغاً.

ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المُتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى: أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله، فسئل عن ذلك؟ فقال: مخافة أن تنافق يدي.

قلت: يمسكها خوفاً من أن يخطر بيده في مشيته، فإن ذلك من الخيلاء  اهـ.

وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى.

5) واحذر داء الجبابرة:

 (الكبر)، فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عصى لله به ، فتطاولك على معلمك كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان.

العلم حرب للفتى المعالي          كالسيل حرب للمكان العالي

فالزم - رحمك الله - اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك، وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء أو غطرسة أو حب ظهور أو عجب.. ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علماً أو رفعة في ولاية، فالزم ذلك، تحرز سعادة عظمى، ومقاماً يغبطك عليه الناس.

وعن عبد الله ابن الإمام الحجة الراوية في الكتب السنة بكر بن عبد الله المزني رحمهما الله تعالى، قال:

"سمعت إنساناً يحدث عن أبي، أنه كان واقفاً بعرفة، فرق، فقال: لولا أني فيهم، لقلت: قد غفر لهم".

خرجه الذهبي  ، ثم قال:

"قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها"ا هـ.

6) التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد :"الزهد بالحرام، والابتعاد عن حماه، بالكف عن المشتهات وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس".

ويؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

"لو أوصى إنسان لأعقل الناس، صرف إلى الزهاد".

وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنف كتابا في الزهد؟ قال:

"قد صنفت كتاباً في البيوع" .

يعنى:"الزاهد من يتحرز عن الشبهات، والمكروهات، في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف" ا هـ.

وعليه، فليكن معتدلاً في معاشه بما لا يشينه، بحيث يصون نفسه ومن يعول، ولا يرد مواطن الذلة والهون.

وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطى المتوفى في 17/12/1393هـ رحمه الله تعالى متقللاً من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله:

"لقد جئت من البلاد - شنقيط - ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد، وهو (القناعة)، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية".

فرحمه الله تعالى رحمه واسعة آمين.

التحلي برونق العلم:

7) التحلي بـ (رونق العلم) حسن السمت، والهدى الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة، بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.

وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال:

"كانوا يتعلمون الهدى كما يتعلمون العلم".

وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل:

"حدثنا، ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعان".

رواهما الخطيب في "الجامع"، وقال  :

8) "يجب على طالب الحديث أن يتجنب:  اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس، بالسخف، والضحك، والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفة، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصلة وفاحشة وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة" اهـ.

وقد قيل:"من أكثر من شيء، عرف به".

فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك.

وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية.

وعن الأحنف بن قيس قال:

"جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافاً لفرجه وبطنه".

وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء:

"ومن تزين بما ليس فيه، شانه الله".

وانظر شرحه لابن القيم رحمه الله تعالى .

تحل بالمروءة :

9) التحلي بـ (المروءة)، وما يحمل إليها، من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس، والأنفة من غير كبرياء، والعزة في غير جبروت، والشهامة في غير عصبية، والحمية في غير جاهلية.  وعليه فتنكب (خوارم المروءة)، في طبع، أو قول، أو عمل، من حرفة مهينة، أو خلة رديئة، كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين، وغشيان مواطن الريب.

10) التمتع بخصال الرجولة:

تمتع بخصال الرجولة، من الشجاعة، وشدة البأس في الحق، ومكارم الأخلاق، والبذل في سبيل المعروف، حتى تنقطع دونك آمال الرجال.

وعليه، فاحذر نواقضها، من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم، فإنها تهضم العلم، وتقطع اللسان عن قوله الحق، وتأخذ بناصيته إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده.

11) هجر الترفه:

لا تسترسل في (التنعم والرفاهية)، فإن "البذاذة من الإيمان" ، وإياك والتنعم

وتدبر في (حديث أبي أمامة في صحيح بن ماجة ) أن النبي r قال : البذاذة من الإيمان . وتدبر في 0حديث معاذ في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إياك و التنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين  . ‌

 

 

 

وخذ بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه في كتابه المشهور، وفيه:

"وإياكم والتنعم وزي العجم، وتمعددوا، واخشوشنوا 000" .

وعليه، فازور عن زيف الحضارة، فإنه يؤنث الطباع، ويرخى الأعصاب، ويقيدك بخيط الأوهام، ويصل المجدون لغاياتهم وأنت لم تبرح مكانك، مشغول بالتأنق في ملبسك، وإن كان منها شيات ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتاً صالحاً، والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتماء الشخص، بل تحديد له، وهل اللباس إلا وسيلة التعبير عن الذات؟!

فكن حذراً في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك، في الانتماء، والتكوين، والذوق، ولهذا قيل: الحلية في الظاهر تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف اللابس من:

الرصانة والتعقل.

أو التمشيخ والرهبنة.

أو التصابي وحب الظهور.

فخذ مم اللباس ما يزينك ولا يشينك، ولا يجعل فيك مقالا لقائل، ولا لمزا للامز، وإذا تلاقى ملبسك وكيفية لبسك بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم الشرعي، كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بعلمك، بل بحسن نيتك يكون قربة، إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحق.

وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

"أحب إلي أن أنظر القارئ أبيض الثياب".

أي: ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق.

والناس -  كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض .

فإياك ثم إياك من لباس التصابي، أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه، وليس معنى هذا أن تأتى بلباس مشوه، لكنه الاقتصاد في اللباس برسم الشرع، تحفه بالسمت الصالح والهدي الحسن.

وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة الرقاق، لا سيما في "الجامع" للخطيب .

ولا تستنكر هذه الإشارة، فما زال أهل العلم ينبهون على هذا في كتب الرقاق والآداب واللباس ، والله أعلم.

12) الإعراض عن مجالس اللغو:

لا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر، ويهتكون أستار الأدب، متغابياً عن ذلك، فإن فعلت ذلك، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة.

الإعراض عن الهيشات:

التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط، وهذا ينافي أدب الطلب.

ومن لطيف ما يستحضر هنا ما ذكره صاحب "الوسيط في أدباء شنقيط" وعنه في "معجم المعاجم":

"أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا عالماً، فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قتلوا من القبيلة الأخرى، فقال الشيخ باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه. فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب. فقال: بل لم يخل منه كتاب. فقال القاضي: هذا "القاموس" يعنى أنه يدخل في عموم كتاب - فتناول صاحب الترجمة "القاموس" وأول ما وقع نظره عليه: "والهيشة: الفتنة، وأم حبين ، وليس في الهيشات قود"، أي: في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله، فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج"أ هـ ملخصاً.

13) التحلي بالرفق:

التزم الرفق في القول، مجتنباً الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة.

وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة.

التأمل:

14) التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك، وقيل:"تأمل تدرك".

وعليه، فتأمل عند التكلم: بماذا تتكلم؟ وما هي عائد ته؟ وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق، وتأمل عند المذاكرة كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد، وتأمل عند سؤال السائل كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين؟ وهكذا.

15) الثبات والتثبت:

تحل بالثبات والتثبت، لا سيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن "من ثبت نبت".

16)أن يحرص على العلم وأن يُقبل عليه إقبال الظامئ على المورد العذب . وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شيء حتى الزواج ولذا فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يتزوج إلا بعد الأربعين ، وأُهديت إلى أبي بكرٍ الأنباري جاريةٌ فلما دخلت عليه تفكَّر في استخراج مسألةٍ فعزبت عنه فقال : أخرجوها إلى النخاس فقالت هل لي من ذنب ؟ قال :لا إلا أن قلبي اشتغل بك ، وما قدْرُ مِثْلِكِ أن يمنعني علمي .

17) ينبغي له أن يحرص على حِلَقِ العلم ولو بالتناوب مع زميلٍ له عند ضيقِ الوقت فيحضر أحده.ما ويخبر صاحبه بالعلم الذي سمعه ويحضر الآخر ويخبر صاحبه بالعلم الذي سمعه فإنه كان من فعل الصحابة رضي الله عنهم

(حديث عمر في صحيح البخاري) قال : وكان رجلاً من الأنصار إذا غاب عن رسول الله وشهدته أتيته بما يكون من رسول الله r .

18)أن يلقي زمامه إلى المعلم إلقاء المريض إلى الطبيب فيتواضع له ويبالغ في خدمته ، فقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بركاب زيدٍ ابن ثابت رضي الله عنه ويقول هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء .

قال علىُّ رضي الله عنه : إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامةً وتخصه بالتحية ، وأن تجلس أمامه ولا تشير عنده بيدك ولا تغمز بعينك ولا تكثر عليه السؤال ولا تعينه في الجواب ولا تلح عليه إذا كسل ولا تراجفُهُ إذا امتنع ، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تفش له سراً ، ولا تغتابنَّ عنده أحداً ولا تطلبنَّ عثرته وإن زلَّ قبلت معذرته ، ولا تقولنَّ له : سمعت فلاناً يقول كذا ولا إن فلاناً يقول خلافك ، ولا تصفنَّ عنده عالماً ، ولا تعرضنَّ من طول صحبته ، ولا ترفع نفسك عن خدمته وإذا عرضت له حاجةً سبقت القوم إليها فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط لك منها شيء .

{تنبيه} : وكلما زاد تواضع طالب العلم زاد مقدار الحكمة عنده وتعلم العلم ومتى تكبر قلَّت حكمته ومنع العلم

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال :     ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك  :  دع حكمته  . ‌

قال مجاهد رحمه الله تعالى : لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر

19)    يجب عليه أن يكون علمه مرتكزاً على الكتاب والسنة الصحيحة ، فيتمسك بهما ويعض عليهما بالنواجذ فيكونا له كالجناحين للطائر لأنهما سبب النجاة من الضلال 

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع ) أن النبي r قال :    تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما  :  كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض  . ‌

{تنبيه} : ويجب على طالب العلم أن يمسك بالوحيين كليهما ( الكتاب والسنة) ولا ينزلق في هاوية من يتمسك بالقرآن ويدع السنة فإن ذلك ضلال وإضلال لأن ما حرَّم رسول الله  r مثل ما حرم الله تعالى إذ  هو مبَّلغ الشرع عن الله تعالى ،

(حديث المقدام بن معد يكرب في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه .

ومن المؤسف في زماننا هذا تجرئ بعض الجهلة على رسول الله r فيقولون إنه بشرٌ مثلنا هات الدليل من القرآن فقط وهذا يدل – ولا شك – على أن قائل هذه العبارة أضلُ من حمار أهله وأنه جاهلٌ جهل مركب ، وقد أخبر النبي r أن ذلك سيقع في أمته

(حديث المقدام ابن معد يكرب في  صحيحي أبي داود وزالترمذي) أن النبي r قال : يوشِكُ الرجلُ متكئاً على أريكته يُحدثُ بحديثٍ من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه ، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرَّم الله .

قال أبو قلابة رحمه الله تعالى : إذا رأيت الرجل يقول دعنا من السنة وهات الكتاب فاعلم أنه ضال

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى :

**********************

ديـن النبـي محمــدٍ أخبــــارُ

 

نعم المطـيةُ للفتــى الآ ثــــارُ

لا ترغبّـَنَّ عن الحديـثِ وأهـــله

 

فالرأيُ ليـلٌ والحديـثُ نهــــارُ

 

20)            أن يتبع سنة الخلفاء الراشدين المهدين فإنها وصية النبي r

*****************************************

(حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة  . ‌

21)    يجب عليه ألا يستغرق عمره كله في فنٍ واحدٍ من العلوم بل يأخذ من كلِ شيء أحسنه فإن العلم كثير والعمر قصير ، وليجعل جُل اهتمامه بعلم التوحيد لأن التوحيد مقدَّمٌ على العمل والأصلُ الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفعُ مع الشرك عمل ثم يهتم بفقه الأحكام حتى يصحح عمله ، ثم يأخذ من باقي العلوم ما يفيده منها فيأخذ مثلاً من اللغة ما يصحح به ألفاظه ويأخذ منها ما يجعل الموضوع في جلباب الفصاحةِ الأغر الذي يجذب النفوس النافرة ويرد الأهواء الشاردة دون توسع ، ويأخذُ من الرقائق المقدار الذي يُذيب به قسوة قلبه ، ويأخذ من الأصول ما يستطيع به تأصيل المسألة ، وهكذا

قال ابن عباس رضيَ الله تعالى عنهما

*************************

ما أصـعب العلم ما أوســـــعه

 

 من ذا الذي يقـدرُ أن يجـمعـــه

إن كنـت له لا بـد طـالبـــــاً

 

 فالتـمـس أنفـعـــــــــه

22)            ينبغي لطالب العلم أن يتعهد الناس بالموعظة ويراعي في ذلك شيئين أساسيين هما :

الأول : أن تكون الموعظة خلال الأيام وليست كل يوم حتى لا يمل الناس

(حديث أبن مسعودٍ في الصحيحين) قال : كان النبي r يتخولنا بالموعظةِ خلال الأيام كراهة السآمة علينا .

*السآمة : أي الملل

الثاني : أن يعظَ الناس بما يستطيع ولو آية يعلم معناها الصحيح ولا ينتظر حتى يكتمل علمه فإن هذا لا يحصلُ غالباً فسبحان من له الكمال

(حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح البخاري) أن النبي  r قال :  بلغوا عني و لو آية و حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج و من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار  . ‌

23) ينبغي لطالب العلم أن يتعلم قسطاً من البلاغة لاستمالة القلوب بتحسين الأسلوب ويحسن به أن يقتبس من أسلوب الكتاب والسنة فليس هناك أبلغ من أسلوبهما وأن يستفيد كذلك من جوامع كلم النبي   r ويتأسى به في ذلك فيعظ الناس بكلام مفيدٍ جامع

(حديث أبي موسى في صحيح الجامع) أن النبي r قال : أُعطيت الكلام وجوامعه وخواتمه .

{تنبيه} : وليحذر طالب العلم من الإفراط في البلاغة والتقعر في الكلام فإن ذلك مذموم

(حديث عبد الله ابن عمرو في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : إن الله يُبْغِضُ البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخللَ الباقرةِ بلسانها .

*معنى يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها : أن يتشدق بلسانه ويتقعر  في الكلام ويتكلف الفصاحة فيلف الكلام لفاً كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً .

24)            ويجب على طالب العلم أن يتجنب الجدل العقيم الذي لا طائل من ورائه الذي لا يكن قصدُه بيان الحق وهداية الخلق وإنما يكن قصده مجرد المغالبة والعلو والعياذ بالله  فإنه يكون سبباً في الضلال ثم هو أيضاً صفةٌ مذمومة يُبغضها الله تعالى

(حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي  r قال : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا قوله تعالى ( بل هم قومٌ خَصِمون )  ‌

(حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي r أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه  . ‌

*معنى زعيم : أي ضمين

*ربض الجنة : حولها خارجٌ عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن .

 (حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال إن أبغض الرجال عند الله الألدُ الخَصِم .

معنى الألد : شديدُ اللدودة أي شديدُ الجدال

معنى الخَصِم : أي شديدُ الخصومة

25)            وعلى طالب العلم أن يكتب ما يتعلمه ليرجع إلى الكتابة كلما أُشكل عليه شيء ، لأن الكتابةَ أثبت للذهن

(حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح أبي داود) قال كنت أكتب كلَ شيء أسمعُهُ من رسول الله r أريد حفظه فنهتني قريشٌ وقالت : أتكتبُ كلَ شيء ورسول الله r بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا فأمسكتُ عن الكتاب وذكرت ذلك لرسول الله r فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال ك اكتب فوالدي نفسي بيده ما يخرجُ منه إلا حق .

26)            يجب على طالب العلم أن لا يتجرأ على الفتيا فإنه من أُفتِيَ بغيرِ علمٍ كان إثمه على من أفتاه ، ولا يكن همُّه خلاص السائل وليكن همُّه خلاص نفسه فإن السلامةَ لا يعدلها شيء .

(حديث أبي هريرة صحيح أبي داود) أن النبي r قال : من أُُفْتِيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه  . ‌

27)            ويجب على طالب العلم أن ينصح الناس ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر في الأمور التي يعلمها ولا يمنعه هيبة الناس أن يقول بحقٍ إذا علمه

(حديث أبي سعيد في السلسلة الصحيحة) أن النبي r قال : لا يمنعنَّ رجلاً هيبةُ الناس أن يقول بحقٍ إذا علمه أو شهده أو سمعه .

 

 

 

1) رعاية حرمة الشيخ:

بما أن العلم لا يؤخذ ابتداء من الكتب بل لا بد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من العثار والزلل، فعليك إذاً بالتحلي برعاية حرمته، فإن ذلك عنوان النجاح والفلاح والتحصيل والتوفيق، فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الآداب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنباً الإكثار من السؤال، ولا سيما مع شهود الملأ، فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل.

ولا تناديه باسمه مجرداً، أو مع لقبه كقولك: يا شيخ فلان! بل قل: يا شيخى! أو يا شيخنا! فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب، ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من غير اضطرار.

وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (لاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة: النور - الآية: 63]وكما لا يليق أن تقول لوالدك ذي الأبوة الطينية: ”يا فلان” أو: ”يا والدي فلان” فلا يجمل بك مع شيخك.

والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به.

وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً؟ واحذر أن تمارس معه ما يضجره، ومنه ما يسميه المولدون: ”حرب الأعصاب” ، بمعنى: امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل.

وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر، فاستأذنه بذلك؛ فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك 000

إلى آخر جملة من الأدب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك وفاء لحق شيخك في ”أبوته الدينية”، أو ما تسميه بعض القوانين باسم ”الرضاع الأدبى:، وتسمية بعض العلماء له ”الأبوة الدينية” أليق، وتركه أنسب.

واعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاق.

 

{تنبيه}:

أعيذك بالله من صنيع الأعاجم، والطرقية، والمبتدعة الخلفية، من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، والقبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة: سيدي، مولاي، ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد.

وانظر ما يقوله العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري (م سنة 1380 هـ) رحمه الله تعالى في ”البصائر"؛  فإنه فائق السياق .

 رأس مالك – أيها الطالب – من شيخك:

القدوة بصالح أخلاقه وكريم شمائله، أما التلقي والتلقين فهو ربح زائد، لكن لا يأخذك الاندفاع في محبة شيخك فتقع في الشناعة من حيث لا تدرى وكل من ينظر إليك يدري، فلا تقلده بصوت ونغمة، ولا مشية وحركة وهيئة، فإنه إنما صار شيخاً جليلاً بتلك، فلا تسقط أنت بالتبعية له في هذه.

{التحذير من التلقي عن المبتدع} :

احذر ”أبا الجهل” المبتدع، الذي مسه زيغ العقيدة، وغشيته سحب الخرافة، يحكم الهوى ويسميه العقل، ويعدل عن النص،وهل العقل إلا في النص؟! ويستمسك بالضعيف ويبعد عن الصحيح، ويقال لهم أيضاً: ”أهل الشبهات”[2]، و ”أهل الأهواء”، ولذا كان ابن المبارك[3] رحمه الله تعالى يسمى المبتدعة: ”الأصاغر”.

وقال الذهبي رحمه الله تعالى[4]:

“إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث، وهات (العقل)، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه، إن جبنت منه فاهرب، وإلا، فاصرعه، وابرك على صدره، واقرأ عليه آية الكرسي، واخنقه” اهـ.

وقال أيضا رحمه الله تعالى[5]:

“وقرأت بخط الشيخ الموفق قال: سمعنا درسه –أي ابن أبى عصرون – مع أخي أبى عمر وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد، فقال: لم انقطعتم عنى ؟ قلت: إن أناساً يقولون: إنك أشعري، فقال: والله ما أنا أشعري. هذا معنى الحكاية” اهـ.

وعن مالك رحمه الله تعالى قال[6]:

“لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به”.

فيا أيها الطلب! إذا كنت في السعة والاختيار؛  فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي، أو خارجي، أو مرجئ، أو قدري، أو قبوري، 000 وهكذا، فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال – صحيح العقد في الدين، متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفو الأثر – إلا بهجر المبتدعة وبدعهم.

وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة، والابتعاد عنهم، كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعيات يطول شرحها[7]، لكن يطيب لي الإشارة إلى رؤوس المقيدات فيها:

فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم، وتحقيرهم ورفض المبتدع وبدعته،ويحذرون من مخالطتهم، ومشاورتهم، ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع.

وكان من السلف من لا يصلى على جنازة مبتدع، فينصرف وقد شوهد من العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم (م سنة 1389 هـ) رحمه الله تعالى، انصرافه عن الصلاة على مبتدع.

وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفهم، وينهى عن حكاية بدعهم، لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة.

وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة.. للمبتدع عند الاضطرار، لأنه باغ، لقول الله تعالى: (فمن اضطر غير باغ 00) الآية، فهو باغ ببدعته[8].

وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه بعد جوابه المشهور:”أظنك صاحب بدعة”، وأمر به، فأخرج.

وأخبار السلف متكاثرة في النفرة من المبتدعة وهجرهم، حذراً من شرهم، وتحجيما لانتشار بدعهم، وكسرا لنفوسهم حتى تضعف عن نشر البدع، ولأن في معاشرة السني للمبتدع تزكية له لدى المبتدئ والعامي – والعامي: مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالباً.

ونرى في كتب المصطلح، وآداب الطلب، وأحكام الجرح والتعديل: الأخبار في هذا [9].

فيا أيها الطالب ! كن سلفيا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك، فإنهم يوظفون للاقتناص والمخاتلة سبلا، يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول – وهو: (عسل) مقلوب – وهطول الدمعة، وحسن البزة،والإغراء الخيالات، والإدهاش بالكرامات، ولحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف 00 وما وراء ذلك إلا وحم البدعة، ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك، ويعتملك في شراكه، فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم.

أما الأخذ عن علماء السنة، فالعق العسل ولا تسل.

وفقك الله لرشدك، لتنهل من ميراث النبوة صافياً، وإلا، فليبك على الدين من كان باكياً.

وما ذكرته لك هو في حالة السعة والاختيار، أما إن كنت في دراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه، مع الاستعاذة من شره، باليقظة من دسائسه على حد قولهم:”اجن الثمار وألق الخشبة في النار”، ولا تتخاذل عن الطلب، فأخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف، فما عليك إلا أن تتبين أمره وتتقى شره وتكشف ستره.

ومن النتف الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ، فقيل له: لم تحدث عن مرجئ ؟ فقال:”أبيعكم اللحم بالعظام”[10].

فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة إذ بين فقال:”وكان مرجئاً”.

وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنه ما في ”العقيدة السلفية” لشيخ الإسلام أبى عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (م سنة 449 هـ)، قال رحمه الله تعالى[11]:

ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان وقرت في القلوب، ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت وفيه أنزل الله عز وجل قوله:”وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره” أ هـ.

وعن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له: صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن؟ فأرسل إليه عمر رضي الله عنه وقد أعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عرجوناً من تلك العراجين، فضربه حتى دمى رأسه، ثم تركه حتى برأ ثم عاد ثم تركه حتى برأ، فدعي به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلى فاقتلني قتلاً جميلاً فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى الأشعري باليمن: لا يجالسه أحد من المسلمين. [رواه الدارمي].

وقيل: كان متهماً برأي الخوارج.

والنووي رحمه الله تعالى قال في كتاب ”الأذكار”:

“باب: التبري من أهل البدع والمعاصي”.

وذكر حديث أبى موسى رضي الله عنه:”أن رسول الله صلي الله عليه وسلم برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة”. متفق عليه.

وعن ابن عمر براءته من القدرية. رواه مسلم[12].

والأمر في هجر المبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها، كما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع[13].

والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون، إذا قل العلم، وفشا الجهل. وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

“فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال” أ هـ.

فإذا اشتد ساعدك في العلم، فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان، والسلام. :

 

 

 

 

1) احذر قرين السوء:

كما أن العرق دساس  فإن ”أدب السوء دساس” ، إذ الطبيعة نقال، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك، فإنه العطب والدفع أسهل من الرفع”.

وعليه، فتخير للزمالة والصداقة من يعينك على مطلبك، ويقربك إلى ربك ويوافقك على شريف غرضك ومقصدك وتدب في ( حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي  . ‌وفي (حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل  . ‌

ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك ”م سنة 125هـ”قوله[14]:

“ما بقى من لذات الدنيا شئ إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه” أ هـ.

ومن لطيف ما يفيد بعضهم[15]:

“العزلة من غير عين العلم: زلة ومن غير زاي الزهد: علة”

 

1) كبر الهمة في العلم:

من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيراً غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجرى في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفاً إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطاً يديك إلا لمهمات الأمور.

والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتنب منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة، فكبير الهمة ثابت الجأش، لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد، تغلق فمه الفهاهة.

ولا تغلط فتخلط بين كبر الهمة والكبر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع.

كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكبر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء.

فيا طالب العلم ارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منه وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك، لتكون دائماً على يقظة من اغتنامها، ومنها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالاً، وعلى هذا فقس ، والله أعلم.

2) النهمة في الطلب:

إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه: ”قيمة كل امرئ ما يحسنه” وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر وصوابه: كم ترك الأول للآخر!

فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر:”كم ترك الأول للآخر”!

وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من ”تاريخ بغداد” للخطيب ذكر من قصيدة له:

لا يكون السري مثل الدني          لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي

قيمة المرء كلما أحسن المر         ء قضاء من الإمام علي

3) الرحلة للطلب:

فمن لم يرحل في طلب العلم، للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه، لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم، وتعليمهم، والتلقي عنهم: لديهم من التحريرات، والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائره في بطون الأفار.

واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين، الذين يفضلون ”علم الخرق” على ”علم الورق”.

وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق ؟ فقال ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق ؟!

وقال آخر:

إذا خاطبوني بعلم الورق                    برزت عليهم بعلم الخرق

فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأساً وبلاء على الإسلام.

4) حفظ العلم كتابة :

ابذل الجهد في حفظ العلم (حفظ كتاب)، لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصر لمسافة البحث عند الاحتياج، لا سيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي. وكتابة العلم من سنة النبي r وتدبر (حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح أبي داود) قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظة فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق .

ولذا فاجعل لك (مذكرة) لتقييد الفوائد والفرائد والأبحاث المنثورة في غير مظانها، وإن استعملت غلاف الكتاب لتقييد ما فيه من ذلك، فحسن، ثم تنقل ما يجتمع لك بعد في مذكرة، مرتباً له على الموضوعات، مقيداً رأس المسألة، واسم الكتاب، ورقم الصفحة والمجلد، ثم اكتب على ما قيدته:”نقل”، حتى لا يختلط بما لم ينقل، كما تكتب:”بلغ صفحة كذا ”فيما وصلت إليه من قراءة الكتاب حتى لا يفوتك ما لم تبلغه قراءة.

وللعلماء مؤلفات عدة في هذا، منها: ”بدائع الفوائد” لابن القيم، و ”خبايا الزاويا” للزركشى، ومنها: كتاب ”الإغفال” و ”بقايا الخبايا” وغيرها.

وعليه فقيد العلم بالكتاب ، لا سيما بدائع الفوائد في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودراً منثورة تراها وتسمعها تحشى فواتها …. وهكذا فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض.

قال الشعبي: ”إذا سمعت شيئاً، فاكتبه، ولو في الحائط”.

رواه خيثمة.

وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع فرتبه في (تذكرة) أو (كناش) على الموضوعات، فإن يسعفك في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات.

5) حفظ الرعاية:

ابذل الوسع في حفظ العلم (حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى :

“ويجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه.

وليحذر أن يجعله سبيلاً إلى نيل الأعراض، وطريقاً إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.

وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة واتخاذ الأتباع وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه.

وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير، ورعاتها قليل، ورب حاضر كالغائب، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء إذ كان في إطراحه لحكمه بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه.

وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول:”لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”. أ. هـ.

6) تعاهد المحفوظات:

تعاهد علمك من وقت إلى آخر، فان عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان.

وتدبر في (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين)  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها، أمسكها، وإن أطلقها، ذهبت”.

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله :

“وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه، ذهب عنه أي من كان، لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟!

وخير العلوم ما ضبط أصله، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه” أ هـ.

وقال بعضهم[16]:  كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى ذلك مصيره أ هـ.

7) التفقه بتخريج الفروع على الأصول:

من وراء الفقه: التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية.

وتدبر في (حديث زيدٍ بن ثابت الثابت في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال نضَّر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه و رب حامل فقه ليس بفقيه  . ‌

قال ابن خير رحمه الله تعالى في فقه الحديث: 

“وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث واستخراج المكنون من سره” أ هـ.

وللشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلى، ومن نظر في كتب هذين الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقاً مستقيماً.

ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه :

“أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام المشروعة، تصويراً، وتقريراً وتأصيلا، وتفصيلاً، فوقع الكلام في …. فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبنى على أصل وفصلين...”

واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه: (التفكر) ، فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في غير آية من كتابه إلى التحرك بإحالة النظر العميق في (التفكر) في ملكوت السماوات والأرض وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه، وما حوله، فتحاً للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي: ”كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون”،”قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون".

وعليه فإن ”التفقه” أبعد مدى من (التفكر) إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا ”فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً”.

لكن هذا التفقه محجوز بالرهان محجور عن التشهي والهوى:

"ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير”.

فيا أيها الطالب! تحل بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيه البدن كما في اصطلاح المحدثين .

فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط.

وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع.

وهكذا هديت لرشدك أبداً فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق وعليك بالتفقه كما أسلفت – في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحول التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة، فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك فإن وقتك ضائع وإن اسم الجهل عليك لواقع.

وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التميز الدقيق والمعيار الصحيح لمدى التحصيل والقدرة على التخريج: فالفقيه هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكماً.

والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسرى بصيرته البلاغية من كتاب الله، مثلا فيخرج من مكنون علومه وجوهها وإن كتب أو خطب ؛ نظم لك عقدها.

وهكذا في العلوم كافة.

8) اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصيل:

لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير، ومنهم من صرح بذلك كما يعلم من تراجمهم ومنهم الأصمعي في علم العروض والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق وأبو مسلم النحوي في علم التصريف، والسيوطي في الحساب، وأبو عبيدة، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو الحسن القطيعي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو حامد الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو.

فيا أيها الطالب! ضاعف الرغبة، وأفزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول في دعائه إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى:

اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني فيجد الفتح في ذلك . 

9) الأمانة العلمية:

يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية، في الطلب، والتحمل والعمل والبلاغ، والأداء:

“فإن  فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة.

لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقراً، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال، وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفي عليهم منزلته، من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الآخر، أو منزلته من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الأخر أو احتمالها على سواء”أ. هـ.

10) الصدق : 

صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين فيا خيبة من فرط فيه، ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى.

قال الأوزاعي رحمه الله تعالى:

“تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم”.

وقال وكيع رحمه الله تعالى:

“هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق” .

فتعلم – رحمك الله – الصدق قبل أن تتعلم العلم، والصدق: إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة :

1- كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعاً فيصفه بالاستقامة. 

2- وكذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية.

3- وكذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية. فالزم الجادة (الصدق) فلا تضغط على عكد اللسان ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقا إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر، كالذي تدركه الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.

فالصادق لا يقول:”أحببتك” وهو مبغض ولا يقول: سمعت وهو لم يسمع، وهكذا

واحذر أن تحوم حولك الظنون فتخونك العزيمة في صدق اللهجة فتسجل في قائمة الكذابين.

وطريق الضمانة لهذا – إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه:- أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه وأن الكاذب عن قريب ينكشف.

واستعن بالله ولا تعجزن.

ولا تفتح لنفس سابلة المعاريض في غيرها ما حصره الشرع.

فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذا المروق (الكذب في العلم) لداء منافسة الأقران، وكيران السمعة في الآفاق.

ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالا يحملون بصائر نافذة وأقلاما ناقدة فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريك عن ثلاثة معان:

1-    فقد الثقة من القلوب.

2-    ذهاب علمك وانحسار القبول.

3-    أن لا تصدق ولو صدقت.

وبالجملة فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى

. والله أعلم

11) جنة طالب العلم:

جنة العالم (لا أدرى)، ويهتك حجابه الاستنكاف منها وقوله: يقال ….

وعليه، فإن نصف العلم (لا أدرى)، فنصف الجهل (يقال) و (أظن)

12) المحافظة على رأس مالك (ساعات عمرك):

الوقت الوقت للتحصيل، فكن حلف عمل لا حلف بطالة ويطر وحلس معمل لا حلس تله وسمر فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد وملازمة الطلب ومثافنة الأشياخ، والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ومطالعة وتدبراً وحفظا وبحثا، لا سيما في أوقات شرخ الشباب ومقتبل العمر، ومعدن العاقبة، فاغتنم هذه الفرصة الغالية، لتنال رتب العلم العالية، فإنها ”وقت جمع القلب، واجتماع الفكر”، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس، ولخفة الظهر والعيال.

ما للمعيل وللعوالي إنما             يسعى إليهم الفريد الفارد

وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا … وهكذا بل البذار قبل أن يصدق عليك قول أبى الطحان القيني:

 حنتني حانيات الدهر حـــتى          كأني خاتل أدنوا لصيد

قصير الخطر يحــسب من رآني           ولسـت مقيداً أنى بقيد

وقال أسامة بن منقذ:

مع الثمانين عاث الضعف في جسدي            وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي

         إذا كتبت فخطى خط مضطرب          كخط مرتعش الكفين مرتعد

         فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما         من بعد حمل القنا في لبة الأسد

           فقل لمن يتمنى طول مدته                 هذى عواقب طول العمر والمدد.

فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل ”كبر الهمة في العلم”.

13( إجمام النفس:

خذ من وقتك سويعات تجم بها نفسك في رياض العلم من كتب المحاضرات (الثقافة العامة)، فإن القلوب يروح عنها ساعة فساعة.

وفي المأثور عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال: ”أجموا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان” . 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكمة النهى عن التطوع في مطلق الأوقات :

“بل في النهى عنه بعض الأوقات مصالح أخر من إجمام النفوس بعض الأوقات، من ثقل العبادة، كما يجم بالنوم وغيره، ولهذا قال معاذ إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي …”

وقال :”بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهى عن التطوع المطلق في بعض الأوقات: إجمام النفوس في وقت النهى لتنشط للصلاة، فإنها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه، وتنشط للصلاة بعد الراحة. والله أعلم” أ هـ. 

ولهذا كانت العطل الأسبوعية للطلاب منتشرة منذ أمد بعيد، وكان الأغلب فيها، يوم الجمعة، وعصر الخميس، وعند بعضهم يوم الثلاثاء، ويوم الاثنين، وفي عيدي الفطر والأضحى من يوم إلى ثلاثة أيام وهكذا ….

ونجد ذلك في كتب آداب التعليم، وفي السير، ومنه على سبيل المثال:”آداب المعلمين” لسحنون (ص104)، و”الرسالة المفصلة” للقابسى (ص135-137)، و”الشقائق النعمانية”ص20)، وعنه في ”أبجد العلوم”(1/195-196) وكتاب ”أليس الصبح بقريب” للطاهر ابن عاشور، وفتاوى رشيد رضا”        (1212)، و معجم البلدان”(3/102) و”فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية” (25/318-320،329).

 

14)قراءة التصحيح والضبط:

احرص على قراءة التصحيح والضبط على شيخ متقن، لتأمن من التحريف والتصحيف والغلط والوهم.

وإذا استقرأت تراجم العلماء – وبخاصة الحفاظ منهم – تجد عدداً غير قليل ممن جرد المطولات في مجالس أو أيام قراءة ضبط على شيخ متقن.

فهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قرأ ”صحيح البخاري” في عشرة مجالس، كل مجلس عشر ساعات و”صحيح مسلم” في أربعة مجالس في نحو يومين وشيء من بكرة النهار إلى الظهر، وانتهى ذلك في يوم عرفة، وكان يوم الجمعة سنة 813هـ وقرأ ”سنن ابن ماجة” في أربعة مجالس، ومعجم الطبراني الصغير” في مجلس واحد، بين صلاتي الظهر والعصر.

وشيخه الفيروز آبادي قرأ في دمشق ”صحيح مسلم” على شيخه ابن جهبل قراءة ضبط في ثلاثة أيام.

وللخطيب البغدادي والمؤتمن الساجي، وابن الأبار وغيرهم في ذلك عجائب وغرائب يطول ذكرها، وانظرها في: ”السير” للذهبي (18/277و 279، 19/310، 21/253)، و”طبقات الشافعية” للسبكي (4/30)، و الجواهر والدرر ”للسخاوي (1/103-105) و فتح المغيث”(2/46)، و”شذرات الذهب” (8/121، 206)، و”خلاصة الأثر” (1/72-73) و”فهرس الفهارس” للكتاني، و”تاتج العروس”(1/45-46).

فلا تنس حظك من هذا.

15) جرد المطولات:

الجرد للمطولات من أهم المهمات، لتعدد المعارف وتوسيع المدارك واستخراج مكنونها من الفوائد والفرائد والخبرة من مظان الأبحاث والمسائل  ومعرفة طرائق المصنفين في تأليفهم واصطلاحهم فيها.

وقد كان السالفون يكتبون عند وقوفهم:”بلغ”، حتى لا يفوته شيء عند المعاودة، لا سيما مع طول الزمن.

حسن السؤال:

التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع فصحة الفهم للجواب، وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلان قال لي كذا، أو قال كذا، فإن هذا وهن في الأدب، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا.

وإن كنت لا بد فاعلاً، فكن واضحا في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تسم أحداً.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى[17]:

“وقيل: إذا جلست إلى عالم، فسل تفقها لا تعنتاً” أ هـ.

وقال أيضاً:

“وللعلم ست مراتب:

أولها: حسن السؤال.

الثانية: حسن الإنصات والاستماع.

الثالثة: حسن الفهم.

الرابعة: الحفظ.

الخامسة: التعليم.

السادسة: وهى ثمرته، العمل به ومراعاة حدوده. أ هـ.

ثم أخذ في بيانها ببحث مهم.

16) المناظرة بلا مماراة :

إياك والمماراة، فإنها نقمة، أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة، إذ المناظرة الحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح فهي مبنية على المناصحة، والحلم، ونشر العلم، أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجج ورياء ولغط وكبرياء ومغالبة ومراء، واختيال وشحناء، ومجاراة للسفهاء فاحذرها واحذر فاعلها، تسلم من المآثم وهتك المحارم، وأعرض تسلم وتكبت المأثم والغرم.

17) مذاكرة العلم:

تمتع مع البصراء بالمذاكرة والمطارحة، فإنها في مواطن تفوق المطالعة وتشحذ الذهن وتقوى الذاكرة، ملتزماً الإنصاف والملاطفة، مبتعداً عن الحيف والشغب والمجازفة.

وكن على حذر، فإنها تكشف عوار من لا يصدق.

فإن كانت مع قاصر في العلم، بارد الذهن، فهي داء ومنافرة وأما مذاكرتك مع نفسك في تقليبك لمسائل العلم ؛ فهذا ما لا يسوغ أن تنفك عنه.

وقد قيل: إحياء العلم مذاكرته.

طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومها:

فهما له كالجناحين للطائر، فاحذر أن تكون مهيض الجناح.

 

 

17) استكمال أدوات كل فن:

لن تكون طالب علم متقناً متفنناً – حتى يلج الجمل في سم الخياط – ما لم تستكمل أدوات ذلك الفن، ففي الفقه بين الفقه وأصوله، وفي الحديث بين علمي الرواية والدراية … وهكذا، وإلا فلا تتعن .

قال الله تعالى:”الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته”.

فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علما حتى 

 

 

من علامات العلم النافع: التحلي بالعمل

تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع، وهى:

1-    العمل به.

2-    كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق.

3-    تكاثر تواضعك كلما ازددت علماً.

4-    الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا.

5-    هجر دعوى العلم.

6-    إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس تنزها عن الوقوع بهم

 

وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:

لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم        ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

 

 

 

 

زكاة العلم:

أد (زكاة العلم): صادعاً بالحق، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر موازنا بين المصالح والمضار، ناشراً للعلم، وحب النفع وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف.

وتدبر في ( حديث أبى هريرة الثابت في صحيح مسلم ) أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:

“إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.

قال بعض أهل العلم :  هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه فبذله صدقه ينتفع بها والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه.

فاحرص على هذه الحلية فهي رأس ثمرة علمك.

ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق وآفته الكتمان.

ولا تحملك دعوى فساد الزمان، وغلبة الفساق، وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت، فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة ورفع لواء الرذيلة.

 

 

التحلي بعـزةِ العلماء : صيانة العلم وتعظيمه، حماية جناب عزة وشرفه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء، أو يمتطيك السفهاء، فتلاين في فتوى، أو قضاء، أو بحث، أو خطاب ….

ولا تسع به إلى أهل الدنيا ولا تقف به على أعتابهم ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره.

ومتع بصرك وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا، تر فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مثلا في هذا، مثل كتاب ”من أخلاق العلماء” لمحمد سليمان رحمه الله تعالى ، وكتاب ”الإسلام بين العلماء والحكام” لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، وكتاب ”مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر” لفاروق السامرائى

.

وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب ”عزة العلماء” يسر الله إتمامه وطبعه.

وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني على بن عبد العزيز م سنة 392هـ) رحمه الله تعالى كما نجدها عند عدد من مترجميه ومطلعها:

      يقولون لي فيك انقباض وإنما               رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم       ومن أكرمته عزة النفس أكرما

               ولا أن أهل العلم صانوه صانهم    ولو عظموه في النفوس لعظما

(لعظما) بفتح الظاء المعجمة المشالة.

 

صيـانة العلم:

إن بلغت منصباً، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء …. وهكذا فأعط العلم قدره وحظه من العمل به وإنزاله منزلته.

واحذر مسلك من لا يرجون لله وقارا، الذين جعلوا الأساس (حفظ المنصب) فيطوون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة.

فالزم – رحمك الله – المحافظة على قيمتك بحفظ دينك وعلمك، وشرف نفسك، بحكمة ودراية وحسن سياسة:”احفظ الله يحفظك ”“احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة”.

وإن أصبحت عاطلاً من قلادة الولاية وهذا سبيلك ولو بعد حين فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمة ومنقصة.

ومن العجيب أن بعض من حرم قصدا كبيرا من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد (التقاعد) فهذا وإن كانت توبته شرعية، لكن دينه ودين العجائز سواء إذ لا يتعدى نفعه، أما وقت ولايته، حال الحاجة إلى تعدى نفعه، فتجده من أعظم الناس فجوراً وضرراً، أو بارد القلب أخرس اللسان عن الحق.

فنعوذ بالله من الخذلان.

 

تاسعاً : التحلي بالمدارة وليس المداهنة

 

 

التحلي بالمدارة وليس المداهنة : المداهنة خلق منحط، أما المداراة فلا، لكن لا تخلط بينهما، فتحملك المداهنة إلى حضار النفاق مجاهرة، والمداهنة هي التي تمس دينك ن فكلاهما ملاينة  إلا أن فصل الخطاب بينهما أن [ المدارة ملاينة للتوصل إلى حق ، والمداهنة ملاينة للتوصل إلى باطل ] .

 

عاشراً : التحلي بالغرام بالكتب

التحلي بالغرام بالكتب : 

شرف العلم معلوم، لعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه كحاجة البدن إلى الأنفاس، وظهور النقص بقدر نقصه، وحصول اللذة والسرور بقدر تحصيله ولهذا اشتد غرام الطلاب بالطلب والغرام بجمع الكتب مع الانتقاء ولهم أخبار في هذا تطول وفيه مقيدات في خبر الكتاب يسر الله إتمامه وطبعه.

وعليه فاحذر الأصول من الكتب واعلم أنه لا يغنى منها كتاب عن كتاب، ولا تحشر مكتبتك وتشوش على فكرك بالكتب الغثائية، لا سيما كتب المبتدعة، فإنها سم ناقع.

قوام مكتبتك:

عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال والتفقه على علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، ومن أجلها كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.

وعلى الجادة في ذلك من قبل ومن بعد كتب:

1-    الحافظ ابن عبد البر (م سنة 463هـ) رحمه الله تعالى وأجل كتبه”التمهيد”.

2-    الحافظ ابن قدامه (م سنة 620هـ) رحمه الله تعالى، وأرأس كتبه المغنى”.

3-    الحافظ ابن الذهبي (م سنة 748هـ) رحمه الله تعالى.

4-    الحافظ ابن كثير (م سنة 774هـ) رحمه الله تعالى.

5-    الحافظ ابن رجب (م سنة 795هـ) رحمه الله تعالى.

6-    الحافظ ابن حجر (م سنة 852هـ) رحمه الله تعالى.

7-    الحافظ الشوكاني (م سنة 1250هـ) رحمه الله تعالى.

8-    الإمام محمد بن عبد الوهاب (م سنة 1206هـ) رحمه الله تعالى.

9-    كتب علماء الدعوة ومن أجمعها ”الدرر السنية”.

10- العلامة الصنعاني (م سنة 1182هـ) رحمه الله تعالى، لا سيما كتابة النافع ”سبل السلام”.

11-    العلامة صديق حسن خان القنوجي (م سنة 1307هـ) رحمه الله تعالى.

12- العلامة محمد الأمين الشنقيطي (م سنة 1393هـ) رحمه الله تعالى لا سيما كتابة:”أضواء البيان”.

التعامل مع الكتاب:

لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفة فيه، وكثيراً ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته.

ومنه:

إذا حزت كتاباً؛  فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جرداً، أو قراءة لمقدمته، وفهرسه، ومواضع منه، أما إن جعلته مع فنه في المكتبة، فربما مر زمان وفات العمر دون النظر فيه، وهذا مجرب والله الموفق.

إعجام الكتابة:

إذا كتبت فأعجم الكتابة بإزالة عجمتها، وذلك بأمور:

1-    وضوح الخط.

2-    رسمه على ضوء قواعد الرسم (الإملاء). وفي هذا مؤلفات كثيرة من أهمها:

كتاب الإملاء ”لحسين وإلى   .

“قواعد الإملاء” لعبد السلام محمد هارون

.

“المفرد العلم ”للهاشمي، رحمهم الله تعالى .

3-    النقط للمعجم والإهمال للمهمل .

4-    الشكل لما يشكل.

5-    تثبيت علامات الترقيم في غير آية أو حديث .


 

الحادي عشر :  التخلي عن المحاذير التي لا تجعل العلم نافعاً فتقلبه من نورٍ على نار .

 

وهذه المحاذير هي ما يلي :

[1] حلم اليقظة:

إياك و(حلم اليقظة)، ومنه بأن تدعي العلم لما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن، فإن فعلت، فهو حجاب كثيف عن العلم.

احذر أن تكون ”أبا شبر” .

فقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول، تكبر ومن دخل في الشبر الثاني، تواضع ومن دخل في الشبر الثالث، علم أنه ما يعلم.

[2] التصدر قبل التأهل:

احذر التصدر قبل التأهل، هو آفة في العلم والعمل.

وقد قيل: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه.

[3] التنمر بالعلم:

احذر ما يتسلى به المفلسون من العلم، يراجع مسألة أو مسألتين، فإذا كان في مجلس فيه من يشار إليه، أثار البحث فيهما، ليظهر علمه! وكم في هذا من سوءة، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته.

وقد بينت هذه مع أخوات لها في كتاب ”التعالم”، والحمد لله رب العالمين.

[4] تحبير الكاغد:

    كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية ، والذي نهايته ”تحبير الكاغد" فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته، واكتمال أهليتك، والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عاراً وتبدى به شناراً.

أما الاشتغال بالتأليف النافع لمن قامت أهليته، واستكمل أدواته، وتعددت معارفه، وتمرس به بحثا ومراجعة ومطالعة وجرداً لمطولاته، وحفظاً لمختصراته، واستذكاراً لمسائله، فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء.

ولا تنس قول الخطيب:

“من صنف، فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس”.

 

 

[5] موقفك من وهم من سبقك:

إذا ظفرت بوهم لعالم، فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام لا سيما المكثرين منهم.

وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص، إلا متعالم ”يريد أن يطب زكاما فيحدث به جذاما" .

نعم، يبنه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه والحط عليه فيغتر به من هو مثله.

[6] دفع الشبهات :

لا تجعل قلبك كالسفنجه تتلقى ما يرد عليها، فاجتنب إثارة الشبه وإيرادها على نفسك أو غيرك، فالشبه خطافة، والقلوب ضعيفة، وأكثر م يلقيها حمالة الحطب – المبتدعة – فتوقهم.

[7] احذر اللحن:

ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة، وصفاء ذوق ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني:

فعن عمر رضي الله عنه أنه قال:

"تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة" .

 

وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن .

وأسند الخطيب  عن الرحبي قال:

"سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحان، فكتب عن اللحان لحان آخر؛ صار الحديث بالفارسية  “!

وأنشد المبرد:

النحو يبسط من لسان الألكن

                              والمرء تكرمه إذا لم يلحن

فإذا أردت من العلوم أجلها

                              فأجلها منها مقيم الألسن

وعليه؛ فلا تحفل بقول القاسم بن مخيمرة رحمه الله تعالى:

“تعلم النحو: أوله شغل، وآخره بغي".

ولا بقول بشر الحافي رحمه الله تعالى:

"لما قيل له: تعلم النحو قال: أضل، قال: قل ضرب زيد عمراً.

قال بشر: يا أخي! لم ضربه؟ قال: يا أبا نصر! ما ضربه وإنما هذا أصل وضع. فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه".

رواهما الخطيب في”اقتضاء العلم العمل".

[8] احذر (الإجهاض الفكري)؛ بإخراج الفكرة قبل نضوجها.

الإسرائيليات الجديدة :

[9] احذر الإسرائيليات الجديدة في نفثات المستشرقين؛ من يهود ونصارى؛ فهي أشد نكاية وأعظم خطراً من الإسرائيليات القديمة؛ فإن هذه قد وضح أمرها ببيان النبي صلى الله عليه وسلم الموقف منها، ونشر العلماء القول فيها، أما الجديدة المتسربة إلى الفكر الإسلامي في أعقاب الثورة الحضارية واتصال العالم بعضه ببعض، وكبح المد الإسلامي؛ فهي شر محض، وبلاء متدفق، وقد أخذت بعض المسلمين عنها سنة، وخفض الجناح لها آخرون، فاحذر أن تقع فيها. وفي الله المسلمين شرها.

[10] احذر الجدل البيزنطي :

أي الجدل العقيم، أو الضئيل، فقد كان البيزنطيون يتحاورون في  جنس الملائكة والعدو على أبواب بلدتهم حتى داهمهم.

وهكذا الجدل الضئيل يصد عن السبيل.

وهدي السلف: الكف عن كثرة الخصام والجدال، وأن التوسع فيه من قلة الورع؛ كما قال الحسن إذ سمع قوماً يتجادلون:

"هؤلاء ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم، فتكلموا".

رواه أحمد ”الزهد"، وأبو نعيم في ”الحلية" .

لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء والبراء عليها :

 

أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام والسلام:

فيا طالب العلم! بارك الله فيك وفي علمك؛ اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف.

ولا تكن خراجاً ولاجاً في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجاً، والمسلمون جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام.

وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهاباً بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغلية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها.

فكن طالب علم على الجادة؛ تقفو الأثر، وتتبع السنن، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفاً لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم.

وإن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغواشي .

فاحذر رحمك الله أحزاباً وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب ؛ تجمع الماء كدراً، وتفرقه هدراً؛ إلا من رحمه ربك، فصار على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة أهل العبودية في  :

"العلامة الثانية: قوله:”ولم ينسبوا إلى اسم"؛ أي:لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاماً لأهل الطريق.

وأيضاً؛ فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيعرفون به دون غيره من الأعمال؛ فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة.

وأما العبودية المطلقة؛ فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها؛ فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال:

الرسول. وعن طريقه؟ قال: الاتباع. وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة. وعن مقصده ومطلبه؟ قال: (يريدون وجهه). وعن رباطه وعن خانكاه؟ قال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة). وعن نسبه؟ قال:

 

أبي الإسلام لا أب لي سواه

                                    إذا افتخروا بقيس أو تميم

وعن مأكله ومشربه؟ قال:”مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها".

واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت

                              ساعاته بين ذل العجز والكسل

والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد

                              ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل

ثم قال:”قوله”"أولئك ذخائر الله حيث كانوا”؛ ذخائر الملك: ما يخبأ عنده، ويذخره لمهماته، ولا يبذله لكل أحد؛ وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته. وهؤلاء؛ لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي؛ كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة.

وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات؛ فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة.

هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.

والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله، وهم – إلا الواحد بعد  الواحد – المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود.

وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى ”السنة".

يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها.

فمن الناس من يتقيد بلباس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشى غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه.

فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصددون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأضحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعاً له عن الطريق فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عد ذلك فضولاً وشراً وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غيراً عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة.

 

 

 

 

مسألة : ما هي الآداب التي يجب على العالم أن يتحلى بها ؟

الآداب التي يجب على العلم أن يتحلى بها :

**************************

1)    الشفقة على المتعلمين ، وأن يعاملهم كما يعامل الأب أبنائه ، ولا يرى لنقسه فضلاً عليهم فإنما الفضلُ لله تعالى ، بل يرى الفضل لهم لأنهم هيأوا قلوبهم لزراعة العلم فيها فكانوا كحال من أعار أرضه لمن يزرع فيها

2)    أن يعلمهم العلم ولا يكتمه عنهم فقد ورد النكير الشديد لمن يكتم العلم

(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار  . ‌

3)    أن يرحب بهم لوصية النبي r بهم

(حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم  :  مرحبا بوصية رسول الله و أقنوهم   . ‌

*معنى أقنوهم : أي علموهم

4) أن يصبر عليهم في تعليم العلم وأن يغرس في قلوبهم شجرة الصبر على تعلم العلم ، وأن يذكرهم مراراً وتكراراً بهذه العبارة { لابد من الصبر وطول النفس في تعلم العلم وإنما يُؤخذ العلم حديثاً وحديثين وباباً بعد باب ، وأنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه}

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يوقه  . ‌

5)أن يكرر كلامه ويبينه أثناء التعليم حتى يفهم الجميع فإن العقول تتفاوت ، كما تكرار الكلام ليفهم من سنة النبي r

(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي  r كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه و إذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا  . ‌

 

6) أن يجعل كلامه فصلاً بين المعنى يفهمه كل من يسمعه تأسياً بالنبي r

(حديث عائشة في صحيحي أبي داود والترمذي) قالت كان كلام النبي  r  فصلا يفهمه كل من سمعه  . ‌

*معنى فصلاً : أي بين المعنى لا يلتبس على أحد بل يفهمه كل من يسمعه

7) أن يكون في كلامه ترتيل وتمهل ليتمكن السامع من سماعه تأسياً بالنبي  r

(حديث جابر في صحيح أبي داود) قال كان في كلام رسول الله r  ترتيل أو ترسيل  . 

*معنى ترتيل : أي تأني وتمهل حتى يتمكن السامع من سماعه وفهمه

8) أن لا يكثر الكلام في الموضوع الواحد لأن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً وليكن مبدأه في الكلام أن ما قل وكفى خيرٌ مما كثر وألهى تأسياً بالنبي ‌ r

(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي r قال : ما قل و كفى خير مما كثر و ألهى

(حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت كان النبي  r يُحدِّث بحديثٍ لو عاده العادُّ لأحصاه .‌

8) أن ينظر إلى فهم المتعلم ومقدار عقله فيحدثه بما يفهم ، فإنه إن حدثه بما هو فوق طاقته العقلية فإما أن يصيبه بإحباط فيملَّ وينقطع أو يكون سبباً في فتنته ويفهم الكلام على وجهٍ غير المقصود منه

قال عليُّ رضي الله تعالى عنه : حدِّثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله .

وقال ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه : ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلُغُه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة .

9) أن يضرب لهم الأمثال أثناء شرحه لهم ليقرِّب المعنى لهم تأسياً بالنبي r

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يومٍ خمساً ، ما تقولُ ذلك يبقي من درنه ؟ قالوا : لا يبقي من درنه شيئاً ، قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا .

10) أن لا يتسرع في الفتوى ولا يكن همُّه خلاص السائل وليكن همُّه خلاص نفسه فإن السلامة لا يعدلها شيء

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي  r قال : من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه  .

قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى

***************************** أدركت في هذا المسجد مائةً وعشرين من أصحاب النبي  r  ، ما أحدٌ يُسأل عن حديثٍ أو فتوى إلا ودَّ أن أخاه كفاه ذلك ، ثم قد آل الأمر إلى إقدام أقوامٍ يدَّعون العلم اليوم يقدمون على الجواب في مسائل لو عَرَضت لعمرَ رضي الله تعالى عنه لجمع أهل بدرٍ واستشارهم

11) أن يطبق العلم حتى ينجو من‌ مقت الله تعالى ، والله تعالى يقول

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) { الصف/3،2}

(حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي r قال : يُؤتى بالعالم يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلقُ أقتا به فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى ، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ويحك ، مالك كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه .

(حديث جندب ابن عبد الله في صحيح الجامع) أن النبي  r قال  مثل العالم الذي يعلم الناس الخير و ينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس و يحرق نفسه  . ‌

 

(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي r قال أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت فقلت  :  يا جبريل من هؤلاء  ؟  قال  :  خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون و يقرءون كتاب الله و لا يعملون به  . ‌

*معنى كلما قُرضت وفت : أي كلما قرضت رجعت كما كانت

12) أن يجعل يوماً لموعظة النساء تأسياً بالنبي r

(حديث أبي سعيد في الصحيحين) قال قالت النساء للنبي  r غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك فوعدهنَّ يوماً لقيهنَّ فيه فوعظهنَّ وأمرهنَّ فكان فيما قال لهن : ما منكنَّ امرأةٌ تقدم ثلاثةً من ولدها إلا كان لها حجابٌ من النار فقالت امرأةٌ واثنين قال واثنين .

{تنبيه} : ينبغي للعالم أن يعظ النساء  إذا لم يوجد من النساء من تكفيه مؤنةذلك فإن وجد من النساء من تكفيه مؤنة ذلك فهو أفضل لأنه بذلك يكون قد حصل المقصود وهو الوعظ للنساء ويكون قد جنب نفسه الفتنة بالنساء التي هي أضر فتنةٍ على الرجال

(حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي r قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء  . ‌

 

28)            ينبغي للعالم كذلك أن لا يدخل على الأمراء حتى يسلم منهم ويسلموا منه وقد حذر النبي  ‌r من ذلك

(حديث ابن عباس في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبيr قال  من سكن البادية جفا و من اتبع الصيد غفل و من أتى السلطان افتتن  . 

معنى ومن أتى السلطان افتتن : وذلك لأنه إن وافقه في مرامه فقد خاطر بدينه وإن خالفه فقد خاطر بروحه

(حديث رجلٍ من سليم في صحيح لجامع) أن النبي r قال r إياكم و أبواب السلطان فإنه قد أصبح صعبا هبوطا  . ‌

*معنى إياكم وأبواب السلطان : أي اجتنبوها ولا تقتربوا منها

*معنى صعباً هبوطاً : صعباً أي شديداً ، هبوطاً أي منزلاً لدرحة من لا زمه مذلاً له في الدنيا والآخرة

** * نشاط الشيخ في درسه:

يكون على قدر مدارك الطالب في استماعه، وجمع نفسه، وتفاعل أحاسيسه مع شيخه في درسه، ولهذا فاحذر أن تكون وسيلة قطع لعلمه، بالكسل، والفتور والاتكاء، وانصراف الذهن وفتوره.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى :

“حق الفائدة أن لا تساق إلا إلى مبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها، فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع، فليسكت، فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع”.

ثم ساق بسنده عن زيد بن وهب، قال:

“قال عبد الله: حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة، فانزع” ا هـ.

الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة:

وهى تختلف من شيخ إلى آخر، فافهم.

ولهذا أدب وشرط:

أما الأدب، فينبغي لك أن تعلم شيخك أنك ستكتب، أو كتبت ما سمعته مذاكرة.

وأما الشرط، فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من درسه .

 

(فضل بعض العلوم التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها)

**************************************

*أولاً فضل علم التوحيد

*ثانياً فضل علم القرآن

*ثالثاً فضل علم السنة

*رابعاً فضل علم الفقه

*خامساً فضل علم الهدْي والآداب

 

 

إن لعلم التوحيد فضلٌ عظيم لأن التوحيد هو أول ما يجب على العبد أن يتعلمه من دينه لأن التوحيد مقدمٌ على العمل والأصل الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشرك عمل  

قال تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) { محمد/19 }

(حديث ابن عباس في الصحيحين) قال . قال رسول الله r لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن   إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك و كرائم أموالهم و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب  . ‌

* الشاهد

*******قول النبي  r ( فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة ) فجعل النبي  r إخبارهم بالصلاة معلقٌ على قبول التوحيد أي إذا لم يقبلوا التوحيد فلا تخبرهم إذ لا ينفع مع الشرك عمل

 

 

 

 

إن من المعلوم شرعاً أن القرآن الكريم أكبر منةٍ امتن الله تعالى بها على هذه الأمة ، ففيه حياةُ القلوب ويحصل بالتمسك به سعادة الدارين ولا يُتَصوَّر طلب العلم على جادةِ الاستقامة إلا بعد حفظ كتاب الله تعالى كاملاً ومن فرَّط فيه فرَّط في غيره ولا شك ، وليس معنى ذلك أنه يشترط في طلب العلم حفظ كتاب الله تعالى كاملاً غير أنه لا يستقيم علمه ولا يكون له وزناً في العلم إلا إذا حفظ كتاب الله تعال كاملاً وذلك لأن كل العلم تخدم كتاب الله تعالى ، ولذا كان النبي  r يحث أمته دائماً على حفظ كتاب الله تعالى وأن يُقبلوا علته إقبالَ الظامئِ على المورد العذب ، والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يدل على ذلك وهاك بعضٌ منها :

1) (حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي r قال : مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب و طعمها طيب و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها و طعمها حلو و مثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب و طعمها مر و مثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح و طعمها مر  .

الشاهد

**** مثَّل النبي  ‌r المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة ريحها طيب وطعمها طيب وكذا المؤمن الذي يقرأ القرآن مرضيٌ حاله قلباً وقالباً _ وهذا إن كان عاملاً بكتاب الله تعالى _ وإلا انقلب علمه من نورٍ إلى نار .

3)               وبين النبي r أنه يترتب الأجر الوفير على قراءة القرآن الكريم

******************************************

(حديث عقبة ابن عامر في صحيح مسلم) أن النبي r قال : أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم و لا قطع رحم فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين و ثلاث خير له من ثلاث و أربع خير له من أربع و من أعدادهن من الإبل  . ‌

(حديث ابن مسعودٍ في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول  :   {  ألم  }  حرف و لكن  :  ألف حرف و لام حرف و ميم حرف  . ‌

(حديث ابن عباس في صحيحي الترمذي) أن النبي r قال {  إذا زلزلت  }  تعدل نصف القرآن و  {  قل يا أيها الكافرون  }  تعدل ربع القرآن و  {  قل هو الله أحد  }  تعدل ثلث القرآن  . ‌

{تنبيه} : ومن مظاهر سعة رحمة الله تعالى لعباده وكذا من مظاهر يسر الإسلام أن الله تعالى رتب الأجر الوفير على قراءة القرآن الكريم سواء كان القارئ يجيد القراءة أم يتتعتع في القراءة

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السفرةِ الكرامِ البررة والذي يقرأ القرآن ويتعاهده وهو عليه شديد فله أجران .

(حديث جابر في صحيح أبي داود) قال : خرج علينا رسول الله ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والأعجمي فقال : اقرؤا فكلٌ حسن وسيجئُ أقوامٌ يقيمونه كما يُقام القدحُ يتعجلنه ولا يتأجلونه

الشاهد

**** أن النبي r جعل أمر قراءة القرآن على التساهل حيث قال في قراءة الأعرابي والأعجمي (اقرأوا فكلٌ حسن ) وهما غالباً لا يحسنان القراءة لأن الأعرابي غالباً بعيدٌ عن العلم والأعجمي ليس عربياً أصلاً ، ثم بين النبي  r أن المهم في القراءة الاحتساب وإخلاص النية ثم نبه r أنه سيجئُ أقوامٌ يقرؤون القرآن قراءةً صحيحةً ويقيمون الألفاظ كما يُقام القدح (أي السهم) ولكنهم مع ذلك يتعجلون ثوابه في الدنيا ولا يؤجلون ثوابه في الآخرة .

4)               بين النبي r أن الله تعالى يرفع صاحب القرآن في الدنيا والآخرة

******************************************

(حديث عمر في صحيح مسلم) أن النبي r قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضعُ به آخرين .

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال يقال لصاحب القرآن  :  اقرأ و ارق و رتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها  . ‌

5)               القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة وتقبل شفاعته

********************************

(حديث أبي أمامة في صحيح مسلم) أن النبي r قال اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه

(حديث عبد اله بن عمرو في صحيح الجامع) أن النبي r قال الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام  :  أي رب إني منعته الطعام و الشهوات بالنهار فشفعني فيه يقول القرآن  :  رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيُشَفَّعان  .

* معنى فيشفَّعان : أي فتقبل شفاعتهما

6) رفع منزلة حافظ القرآن عند اله تعالى

**************************

(حديث عثمان في صحيح البخاري) أن النبي r قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه .

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي r قال لا حسد إلا في اثنتين  :  رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل و آناء النهار فسمعه جار له فقال  :  ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل و رجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل  :  ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل  . ‌

{تنبيه} المقصود بالحسد هنا : الغبطة لأن الحسد مذموم على كل أحواله فلا يحل في اثنتين ولا ثلاث .

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السفرةِ الكرامِ البررة والذي يقرأ القرآن ويتعاهده وهو عليه شديد فله أجران .

(حديث أنس في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : أهل القرآن أهل الله وخاصته .
7) إكرام أهل القرآن أحياءاً وأمواتاً 

**********************

*إكرامهم أحياءاً  

**********

(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري) أن النبي  r قال يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا و لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله و لا في سلطانه و لا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه  . ‌

(حديث ابن عباس في صحيح البخاري موقوفاً) قال : كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله تعالى عنه كهولاً كانوا أم شباناً .

(حديث أبي موسى في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم و حامل القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرام ذي السلطان المقسط  . ‌

*معنى {من إجلال الله } : أي من تعظيم الله تعالى

*معنى {غير الغالي فيه} : أي غير متجاوز الحد فيه في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه وغير الغالي فيه من حيث قراءته ومخارج حروفه

*ومعنى{والجافي عنه} أي وغير الجافي عنه أي غير التارك له البعيد عن تلاوته والعمل به .

*إكرامهم أمواتاً

********** 

(حديث جابر في صحيح البخاري) قال : كان النبي r يجمع بين الرجلين من قتلى أحدٍ في الثوب الواحد ثم يقول : أيهم أكثر أخذاً للقرآن فإذا أُشير إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسَّلوا ولم يُصلى عليهم .

 

 

 

 

مسألة : ما هي آداب قراءة القرآن ؟

بيَّن الإمام النووي رحمه الله تعالى آداب قراءة القرآن في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن فقال :

1)    ينبغي له أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإنه يراه فعليه أن يطرد الشواغل عن نفسه أثناء هذه المناجاة

2)    ينظف فاه بالسواك فإنه مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب

*********************************

(حديث عائشة في صحيح النسائي) أن النبي r قال : السواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب .

3)    يستحب له أن يقرأ القرآن على طهارة فإن قرأ محدثاً جاز بإجماع المسلمين

4)    يستحب أن تكون القراءة في موضعٍ نظيف ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة ومحصلاً لفضيلةٍ أخرى هي فضيلة الاعتكاف فإنه ينبغي لكلِ جالس في المسجد أن ينويه سواء كثر جلوسه أو قل ، وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به ويشاع ذكره ويعرفه الصغير والكبير فإنه مما يغفل عنه .

5)    يستحب للقارئ أن يقرأ وهو جالس مستحضراً عظمةَ من يناجيه خاشعاً متذللاً بين يدي الله تعالى ، ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً في فراشه أو غير ذلك من الأحوال جاز

 

قال تعالى

إنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  لآياتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض ربنا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { آل عمران/191،190}

(حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت كان رسول الله r  يذكر الله على كل أحواله .

6)ويجب على القارئ إذا أراد الشروع في القراءة أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم  

*********************************************************

     لقوله تعالى ( فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) {النحل/98 }

وكان جماعة من السلف يقولون : أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم

7)ينبغي له أن يحافظ على قراءة البسملة في أولِ كل سورة سوى سورة براءة

8) إذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتبر وطرد الشواغل عن ذهنه

************************************************

قال تعالى  أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لوجدوا فيه اخْتِلاَفًا كَثِيراً {النساء/82}

وقال تعالى( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) {محمد /24 }

وقال تعالى( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُوْلُو الألْبَابِ) {ص/29}

{تنبيه} : كان النبي r يهتم اهتماماً بالغاً بتدبر القرآن وكان أحياناً لا يزال يردد آيةً حتى يصبح

(حديث أبي ذر في صحيحي النسائي وابن ماجة) قال قام النبي r بآيةٍ يرددها حتى أصبح ، والآية

(إن تعذبهم فإنهم عبادك و‘ن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) {المائدة/118}

*وقد تأسى أصحاب النبي r به في ذلك فردد تميم بن أوس آيةً حتى أصبح والآية هي( أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) {الجاثية/21 )

9) البكاء عند قراءة القرآن فإن ذلك سمة عباد الله الصالحين

***************************************

 

قال تعالى( وَيَخِرّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) { الإسراء /109}

وقال تعالى (إِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمَـَنِ خَرّواْ سُجّداً وَبُكِيّاً) { مريم/58}

*وصلى عمر بن الخطاب بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته

*وعن أبي الرجاء قال رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وتحت عينيه مثلُ الشراك البالي من الدموع

*وقدم أناسٌ من اليمن على أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه فجعلوا يقرؤن القرآن ويبكون فقال أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه : هكذا كنا .

10) استحباب ترتيل القرآن

*****************

 امتثالاً لقوله تعالى ( ورتل القرآن ترتيلا) {المزمل /4}

(حديث عبد الله بن المغفل في الصحيحين) قال رأيت رسول الله r يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورةَ الفتح فرجَّع في قراءته)

(حديث أم سلمة في صحيح الترمذي ) قالت  كان رسول الله r   يقطع قراءته آية آية  :   {  الحمد لله رب العالمين  }  ثم يقف  :   {  الرحمن الرحيم  }  ثم يقف

11) يكره الإفراط في السرعة في قراءة القرآن لأنها لا تسمح بالتدبر

******************************************

(حديث ابن مسعود في الصحيحين ) أن رجلاً قال له لقد قرأت المفصل في ركعة فقال هذا كهزِ الشعر إن قوماً يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع .

*المقصود بقوله ( كهذ الشعر ) : كانت عادتهم في إنشاد الشعر السرعة المفرطة

12)يستحب له أن لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا استجار

**********************************************

( حديث حذيفة في صحيح مسلم) أن النبي r قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة ، لا يمر بآيةِ رحمةٍ إلا سأل ولا بآيةِ عذاب إلا استجار .

29)              احترام القرآن

*********** إن احترام القرآن من الأمور التي قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين ، فيجب اجتناب الضحك واللغط (اختلاط الأصوات) والحديث خلال القراءة إلا كلاماً يضطر إليه ، وليمتثل قول الله تعالى ( وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ) {الأعراف/204}

*وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأه .

ويجب كذلك اجتناب العبث بين يديه فإنه يناجي الله تعالى ، وكذا يجب اجتناب النظر إلى ما يلهي القلب

30)              يستحب له أن يقرأ القرآن على ترتيب المصحف لأن الله تعالى جعل هذا الترتيب لحكمةٍ بالغةٍ قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها ، فينبغي له أن يحافظ على هذه الحكمة إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الفجر يوم الجمعة فإنه يقرأ في الركعة الأولى سورة السجدة وفي الثانية سورة الإنسان وكذلك سنة الفجر فإنه يقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص 

*قيل لابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه إن فلاناً يقرأ القرآن منكوساً قال : ذلك منكس القلب .

15) استحباب قراءة القرآن مجتمعين

**********************

 (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله فيمن عنده  . ‌

31)              كراهية الاختلاف في كتاب الله تعالى

*************************

(حديث جندب ابن عبد الله في الصحيحين) أن النبي r قال اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا

(حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) قال سمعت رجلاً قرأ آيةً سمعت من النبي r خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله r فقال : كلاكما محسن ، لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا .

32)              استحباب الجهر بالقراءة والإسرار بها على التفصيل الآتي

**************************************

{**} إذا خاف على نفسه الرياء أو العجب والعياذ بالله كان الإسرار في حقه أفضل وعيه يحمل الحديث (حديث عقبة بن عامر في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة و المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة   .

معنى الحديث : أن المسرَّ بالقرآن أفضل لكي يأمن من العجب المحبط للعمل والعياذ بالله ، وهذا محمول على من خاف على نفسه ذلك

{**} أما إذا لم يخف على نفسه الرياء والعجب فالجهر في حقه أفضل لأن نفعه متعدي ، والمنفعة المتعدية أفضل من المنفعة اللازمة لأنه برفع صوته يوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه وعليه الأحاديث الآتية

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به

33)              استحباب تحسين الصوت بالقرآن

***********************

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي r قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن  . ‌

(حديث أبي موسى في الصحيحين ) أن النبي r قال له : لقد أُتيت مزماراً من مزامير آل داود .(حديث البراء في صحيحي أبي داود والنسائي) أن النبي r قال  زينوا القرآن .

(حديث البراء في الصحيحين) قال سمعت رسول الله r قرأ في العشاء (والتين والزيتون) فما سمعت أحداً أحسن صوتً منه

{تنبيه} : بينت السنة الصحيحة أن أحسن الناس صوتاً بالقرآن هو الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي  r قال إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ  حسبتموه يخشى الله

 

34)              يستحب طلب القراءة الطيبة من إنسان حسن الصوت

***********************************

(حديث ابن مسعود في لصحيحين) قال، قال لي رسول الله r : اقرأ علي القرآن . فقلت يا رسول الله : أقرأ عليك وعليك أُنزل ، قال : إني أحب أن أسمعه من غيري

20)تحريم الجدال في القرآن بغير حق

************************

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود ) أن النبي r قال : المراء في القرآن كفر .

{تنبيه} : المقصود بالمراء هنا الجدال المشكك في القرآن والعياذ بالله تعالى من ذلك ، وقيل الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها

35)              دعاء ختم القرآن

*************

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن : يستحب الدعاء عقب ختم القرآن استحباباً متأكداً ، وكان عبد الله بن ا لمبارك إذا ختم القرآن أكثر دعائه للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات

{تنبيه} : لم يذكر الإمام النووي فذلك دليلاً ، وربما يستدلُ له بالحديث الآتي

(حديث عمران بن حصين في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس . ‌

 

 

مسألة : ماهي آدابُ حملة القرآن ؟

هاك بعض الآداب التي ينبغي لحامل القرآن أن يتحلى بها

***********************************

1) قال ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه : ينبغي لحامل القرآن أن يُعرفَ بليله إذا الناس ينامون وبنهاره إذا الناس مفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون

2)وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى : إن من كان  قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم ، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار

3)وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى :  حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن

4) ويجب على حامل القرآن أن يحتفظ على تلاوته ويتعاهده باستمرار حتى لا ينساه

(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي r قال  تعاهدوا القرآن فالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها  . ‌

معنى تفصياً : أي تفلتاً   

(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي r قال بئسما لأحدهم أن يقول  :  نسيت آية كيت و كيت بل هو نُسِيَ ، واستذكروا القرآن فأنه أشدُّ تفصِّياً من صدور الرجال من النَّم في بِعُقُلها .

معنى بل نُسِيَ : أي عوقب بالنسيان لتفريطه فاستذكار القرآن

{تنبيه} : لقد ضرب السلف الصالح أروع المثل في قراءة القرآن واستذكاره ، فكان الكثير منهم يختمون كل ثلاث ليالٍ ، وبعضهم كل ليلتين ومنهم من كان يختم في كل يومٍ وليلة ، فمن الذين كانوا يختمون في كل يومٍ وليلة عثمان ابن عفان وتميم ابن أوس الداري وسعيد ابن جبير ومجاهد والشافعي

6)     ويجب عليه أن يجاهد نفسه في مراجعة القرآن حتى يشربه كشرب اللبن

7)     (حديث عقبة ابن عامر في صحيح الجامع) أن النبي  r قال  سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن  . ‌

{ تنبيه } : هنا سؤال يطرح نفسه ما الدليل على جواز ختم القرآن في يومٍ وليلة ، خاصةً وأنه ورد في السنة الصحيحة أن النبي r قال لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ؟

والجواب أن نقول :

************ أنه يجوز ختم القرآن في يومٍ وليلة لفعل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقد أمرنا النبي r أن نتبع سنتهم  وبيَّن أن سنتهم من سنته

(حديث العرباض بن سارية في صحيح أبي داود والترمذي) أن النبي r قال  أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة

الشاهد : قوله  r  فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ فعطف سنتهم على سنته فدل ذلك على أن سنتهم من سنته

الرد على حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيحي أبي داود والترمذي ( لا يفقه من قرأ القرآن في أقل  من ثلاث ) يكون من وجهين :

{الأول} : المقصود بالنفي هنا نفي الفقه لا نفي الثواب ولذا عبَّر النبي r   بقوله ( لا يفقه)

{الثاني} : ليس في الحديث دليلٌ على تحريم ختمه في أقل من ثلاث إذ لا يلزم من عدم فهم معناه تحريم قراءته .

8)     ينبغي لحامل القرآن أن يعتني بقراءة القرآن بالليل أكثر من النهار ، وذلك لكونها أجمع للقلب وأثبت للحفظ لقوله تعالى ( إِنّ نَاشيءةَ اللّيْلِ هِيَ أَشَدّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً) { المزمل/6} ، ولأنه بالليل يسهل طرد الشواغل عن الذهن ، ثم إن الليل أصون من الرياء وغيره من المحبطات .

9)     يجب على حامل القرآن أن لا يسافر بالمصحف إلى أرض العدو حتى لا يناله بسوء أو امتهان _ قسم الله ظهر من أعان على امتهان القرآن بشطر كلمة

(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي r   نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو .

 

 

مسألة : ما هو فضل سورة الفاتحة ؟

بينت السنة الصحيحة أن سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي سعيد المعلي في صحيح البخاري ) قال: قال لي رسول الله r ألا أعلمك أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ؟ فأخذ بيدي ، فلما أردنا أن نخرج قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنَّك أعظمُ سورةٍ في القرآن ، قال : الحمد لله رب العلمين هي السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته .

فضـل سـورة البقـرة

مسألة ؟ ما هو فضل سورة البقرة ؟

بينت السنة الصحيحة أن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطا ن.‌

 

 

مسألة : ما هو فضل آية الكرسي ؟

بينت السنة الصحيحة أن آية الكرسي هي أعظم سورةٍ في القرآن

.  

 

 (حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم ) قال ، قال رسول الله r يا أبا المنذر أتدري أيُ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم ؟ قال قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم . قال فضرب في صدري وقال ليهنك العلم يا أبا المنذر .

(حديث أبي أمامة في صحيح الجامع ) أن النبي r قال من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت  . ‌

 

 

 

مسألة : ما هو فضل خواتيم سورة البقرة ؟

(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في الصحيحين ) أن النبي r قال من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه .

 

*معنى كفتاه : أي أغنتاه عن قيام تلك الليلة بالقرآن ، والآيتان هما من قوله تعالى ( آمن الرسول بما أنزل إليه 00000 إلى آخر السورة )

(حديث حذيفة في صحيح الجامع ) أن النبي r قال : أُعطيتُ الآيات من آخر سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش لم يعطها نبيٌ قبلي .

 

 

 (حديث أبي أمامة في صحيح مسلم)أن النبي r قال : اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين  :  البقرة و آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة و تركها حسرة و لا تستطيعها البطلة  . ‌

{ تنبيهات} :

*اقرءوا الزهراوين : أي النيرتين

*غمامتان أي سحابتان تظلان قارئهما من حر الموقف وكرب ذلك اليوم المهول

*غيايتان  ما أظل الإنسان

*فِرْقان أي قطيعان وجماعتان

* من طيرٍ صـواف أي باسطات أجنحتها متصلاً بعضها ببعض

*يحاجان عن صاحبهما أي تدفعان الجحيم أو الزبانية

* أخذها بركة أي زيادةٌ ونماء

*وتركها حسرة أي على ما فاته من الثواب

*ولا تستطيعها البطلة أي السحرة    

 

 

 (حديث ابن عباس في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : شيبتني هود و الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت    .

{شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون والتكوير } : لما فيها من ذكر الأمم وما حل بهم من عاجل بأس الله ، فأهل اليقين إذا تلوها انكشفت لهم من ملكه وسلطانه وبطشه وقهره ما تذهل منه النفوس وتشيب منه الرؤوس .

 

 

(حديث أبي الدر داء في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال  . ‌

(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي r قال : من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين  . 

(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي r قال : من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه و بين البيت العتيق  . ‌

 

 

 (حديث جابر في صحيح الترمذي) أن النبي r كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك .

(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : ? إن  سورة من القرآن  ثلاثون آية شفعت  لصاحبها حتى غُفر له :  تبارك الذي بيده الملك .

(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي r قال :  ‌ سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر  . ‌

 

 

 (حديث ابن عباس في صحيح الترمذي) أن النبي r قال {  إذا زلزلت  }  تعدل نصف القرآن و  {  قل يا أيها الكافرون  }  تعدل ربع القرآن و  {  قل هو الله أحد  }  تعدل ثلث القرآن  . ‌

 

 

 

 (حديث ابن عباس في صحيح الترمذي)   {  إذا زلزلت  }  تعدل نصف القرآن و  {  قل يا أيها الكافرون  }  تعدل ربع القرآن و  {  قل هو الله أحد  }  تعدل ثلث القرآن .‌

(حديث فروة بن نوفل في صحيح الترمذي ) أن أتى النبي r فقال يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أويتُ إلى فراشي فقال : اقرأ  {  قل يا أيها الكافرون  }  عند منامك فإنها براءة من الشرك  .

 

 

 (حديث عبد الله بن خبيب في صحيح الجامع) أن النبي r قال : {  قل هو الله أحد  }  و المعوذتين حين تمسي و حين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء  . ‌

 

 

 

 (حديث أبي سعيدٍ الخدري في صحيح البخاري) أن النبي r قال : {  قل هو الله أحد  }  تعدل ثلث القرآن .

(حديث معاذ بن أنس الجهني في صحيح الجامع) أن النبي r قال : من قرأ  {  قل هو الله أحد  }  عشر مرات بنى الله له بيتا في الجنة  .      

 

 

مسألة : ما هي منزلة السنة المشرفة ؟

إن السنة المشرفة من أشرف العلوم ، ويحب على طالب العلم أن يحيط بها علما ,أن يحفظ منها ما يستطيع فكلما كان أحفظ للسنة كان أفهم لمسائل العلم وكان علمه متين فيجب على طالب العلم أن يتمسك بالسنة ويعض عليها بالنواجذ ، وإليك غيضٌ من فيض مما ورد في فضل السنة المشرفة

1) بين النبي r أن النجاة من الضلال تحصل بالتمسك بالوحيين كليهما ( الكتاب والسنة) وليس بالكتاب فقط

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما  :  كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض  . ‌

2) بين النبي r أنه يجب التمسك بالسنة المشرفة وأحكامها مثل ما يتمسك الإنسان بالقرآن وأحكامه ف، ما حرَّم رسول الله r مثل ماحرَّم الله تعالى إذ هو مبلِّغ الشرع عن الله تعالى  

(حديث المقدام بن معد يكرب في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : يوشك الجل متكئأً على أريكته يُحدَّث بحديثٍ من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه ، ألا , وإن ماحرَّم رسول الله مثل ما حرَّم الله .

(حديث المقدام بن معد يكرب في صحيح أبي داود) أن النبي r قال ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه .

3 ) دعا النبي r لمن حفظ الحديث ونشره وذلك لما فيه من المنافع العميمة

(حديث زيدٍ بن ثابت في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال نضَّر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه و رب حامل فقه ليس بفقيه  . ‌

*معنى نضَّر الله : الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة

قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى : ما من أحدٍ يطلب الحديث إلا في وجهه نضرة .

4) أنه لا يمكن للإنسان أن يؤدي أي عملٍ شرعي على وجه المشروع حسبما أراد الله تعالى إلا باتباع السنة مع القرآن وذلك لأن السنة هي التي تفسِّر مبهم القرآن وتفصِّل مجمله وتخصص عمومه وتبين الناسخ من المنسوخ ، ولذا كان هناك قاعدة شرعية حُقَّ لها أن تكتب على الصدور بماء الذهب ، وهذه القاعدة هي ( إتباع السنة أولى من كثرة العمل ) ، وذلك لأن العمل مهما كان كثيراً وليس مطابقاً للسنة كان مردوداً لا يقبله الله تعالى

(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي r  قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد

(حديث عائشة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد

 

 

مسألة : ما هي منزلة علم الفقه ؟

للفقه منزلةٌ عظيمةٌ بين العلوم وذلك للأسباب الآتية :

1) أن النبي r بين أن من أراد الله به خيرا يفقهه في الدين

( حديث معاوية في الصحيحين ) أن النبي r قال : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و إنما أنا قاسم و الله يعطي و لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز و جل

2) أن الإنسان لا يتسنى له التأسي بالنبي r في العبادات والمعاملات إلا عن طريق الفقه ، وبهذا يتضح أن الإنسان لا يستطيع أن يصحح عمله الذي يلقى به ربه إلا عن طريق الفقه  

3) أن الإنسان لا يستطيع أن يميز بين الحلال والحرام ولا التمييز بين الجائز والفاسد في وجوه الأحكام إلا عن طريق الفقه ، فلربما وقع في الحرام وهولا يشعر وربما كان كسبه حرام وهو لا يشعر ، ونضرب لذلك مثالاً يقع فيه كثير من الناس لعدم فقهم في المسألة وهي بيع الذهب بالذهب ، فإن من المعلوم شرعاً  أن شرطي بيع الذهب بالذهب أن يكون يداً بيد مثلاً بمثل كما سبق في كتاب البيوع ، أي بيع خمسة جرامات بخمسة جرامات وأن يكون القبض في المجلس ( يداً بيد ) ، فلو باع ذهب قديم بجديد ودفع الفرق لوقع في الربا وهو لا يشعر ، ولو أجَّل القبض وقع في الربا لا محالة ، فتأمل رحمك الله تعالى كيف يقع في الربا وهو لا يدري ،

 

 

 

مسألة : ماهي منزلة علم الهدي والآداب ؟

هذا الفرع من فروع العلم له أهمية بالغة لا بد لطالب العلم أن يهتم به اهتماماً بالغاً فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يتعلمون الهَدْي كما يتعلمون العلم لأن هو الأدب ، والعلم بلا أدب يجنى على صاحبه ويهلكه ، وطالب العلم إن لم يكن مؤدباً متحلياً بالفضائل متخلياً عن الرذائل نفر  الناس منه ولم يقبلوا موعظته

وقد بين النبي r أن الهدي الصالح جزءٌ من النبوة

(حديث ابن عباس في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : السمتُ الصالح والهدي الصالح  و الاقتصاد جزء من خمسةٍ  و عشرين جزءا من النبوة  . ‌

*معنى السمت الصالح : حسن الهيئةِ في الدين

*معنى الهدي الصالح  : الأدب

وهاك بعض الآداب التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها

 

 

مسألة : ما هي أهمية ضبط اللسان ؟

ضبط اللسان من الأمور البالغة الأهمية والتي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها فإن اللسان أمره خطير وشرُّه مستطير ، قال عليُّ رضي الله عنه : اللسان سبْعُ إن خُلِيَ عنه عقر

ولله درُ من قال :

احفـظ لســانك أيـها الإنســـــان

 

لا يلدغنَّــك إنـه ثعبـــــــــان

كم في المقابر من لديغِ لسانه

 

كانـت تهـاب لقـاءه الإخــــــوان

ولذا ينبغي لطالب العلم أن يضبط لسانه ويُلجِّمه بلجام الشرع الحنيف , ومعنى ضبط اللسان التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل

(حديث عقبة بن عامر في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ قال أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك .

(حديث أبي سعيدٍ في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول  :  اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا  . 

*معنى تُكَفِّرُ اللسان : أي تذل وتخضع له وتناشده كل صباح بالاستقامة

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي r قال إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم  . ‌

(حديث سهل بن سعد في الصحيحين ) أن النبي r قال من يضمن لي ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنة  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ قال : تقوى الله وحسن الخلق , وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ قال الفم والفرج .

(حديث معاذ في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) قال قلت يا رسول الله أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنة ويباعدني من النار ؟ قال لقد سألتني عن عظيم و إنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة المكتوبة و تؤتي الزكاة المفروضة و تصوم رمضان و تحج البيت ; ألا أدلك على أبواب الخير  ؟  الصوم جنة و الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار و صلاة الرجل في جوف الليل ; ألا أخبرك برأس الأمر  وعموده و ذروة سنامه  ؟  رأس الأمر الإسلام و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد ; ألا أخبرك بملاك ذلك كله  ؟  كف عليك هذا - و أشار إلى لسانه - قال  :  يا نبي الله  !  و إنا لمؤاخذون بما نتكلم به  ؟  قال  :  ثكلتك أمك يا معاذ  !  و هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم  .

*معنى مِلاك ذلك : قِوامه أي ما يقوم به كله

(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : ليس المؤمن بالطعان و لا اللعان و لا الفاحش و لا البذيء  . ‌

 

.‌                              التحلي بفضيلة حسن الخلق

 

  يجب على المسلم أن يتحلى بحسن الخلق وأن يتمسك به ويعض عليه بالنواجذ ، وإليك غيضٌ من فيض وقليلٌ من

 كثير مما ورد في فضل حسن الخلق

قال تعالى مثنياً على نبيه  r: (وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [سورة: القلم - الآية: 4]

(حديث أنس في الصحيحين) قال : كان رسول الله r أحسن الناس خلقاً .

(حديث أنس في الصحيحين) قال لما قدم رسول الله r إلى المدينة أخذ أبو طلحة بيدي إلى رسول الله r فقال يا رسول الله إن أنساً غلامٌ كيسٌ فليخدمك ، قال : فخدمته في الحضر والسفر فوالله ما قال لي لشيءٍ صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا .

(حديث النواس ابن سمعان في صحيح مسلم) أن النبي r  قال : البر حسن الخلق و الإثم ما حاك في صدرك و كرهت أن يطلع عليه الناس  . ‌

(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) قال لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول : إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً .

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي  rقال : إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق  . ‌

(حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء .

(حديث عائشة  ‌ في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال : سئل رسول الله r عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة ؟ قال : تقوى الله وحسن الخلق ، وسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار ؟ فقال الفم والفرج .

(حديث جابر في صحيح الترمذي) أن النبي  r قال :  إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من  أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً  يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا  :  يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون  فما المتفيهقون  ؟  قال  :  المتكبرون  . ‌

*معنى الثرثارون : كثيري الكلام

*معنى المتشدقون : الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم

(حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا  ، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا  ، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه  . ‌

معنى زعيم : أي ضمين

معنى ربض الجنة : حولها خارجٌ عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن .

مسألة : هل يمكن اكتساب الخلق الحسن وتغيير الخلق القبيح ؟

فصل الخطاب في هذه المسألة هو الذي دلَّت عليه السنة الصحيحة وهو أن الخلق الحسن يمكن اكتسابه بعدة أشياء منها ما يلي :

1)                 ترويض النفس على حسن الخلق ، فإنه من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه  

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع)  أن النبي r قال : إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه  . ‌

فينبغي للعبد أن يتحر حسن الخلق ويحرص عليه ويجاهد نفسه ويتكلفه حتى ينعم الله تعالى عليه بهذه الفضيلة ، وهذا حاصلٌ لا محالة إذا صدق العبد في ذلك

(حديث شداد بن أوس في صحيح النسائي )  أن النبي r قال : إن تصدق الله يصدقك .

2)                 لا بد من الصبر وطول النفس في تحصيل أي خير وليس له أن يستعجل فإنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه . فعليه أن يتأنى جيداً وإياه والعجلة فبئست المطيةُ هي ، تحول بينك وبين أي خير .

   (حديث أنس في صحيح الجامع)  أن النبي r قال : التأني من الله والعجلة من الشيطان .

3)                 ويمكن اكتساب حسن الخلق عن طريق مصاحبة أهل الخير والصلاح ، فإن الطباع سرَّاقة والناس مجبولون على تقليد بعضهم بعض

(حديث أبي هريرة  في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : المرء على دين أخيه فلينظر أحدكم من يخالل .

(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال:لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي  . ‌

4)                 ويمكن اكتساب حسن الخلق أيضاً بالتضرع إلى الله تعالى بأن يمنَّ عليك بهذه النعمة فإن ذلك كان من هدي النبي r

    (حديث ابن مسعود في صحيح الجامع)  أن النبي r قال :اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي  . ‌

 

 

 

يجب على طالب العلم أن يتحلى بفضيلة السمت الصالح  وهو حسن الهيئة في الدين من الوقار والسكينة والخشوع وغيرها لأنها جزء من النبوة بنص السنة الصحيحة

(حديث ابن عباس في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :السمت الصالح والهدي الصالح والاقتصاد جزء من خمسةٍ و عشرين جزءا من النبوة  . ‌

 

 

 

                                                                                                   

(حديث ابن عباس في صحيح مسلم) أن النبي r  قال : لأشج عبد القيس : إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى  :  الحلم و الأناة  . ‌

(حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة  . ‌

 (حديث أنس في صحيح الجامع)  أن النبي r قال : التأني من الله والعجلة من الشيطان .

 

 

 

 

 

يجب على المسلم أن يهتم اهتماماً بالغاً بالرفق لأنه  من يُحرم الرفق يُحرم الخير ، والرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانه  بنص السنة الصحيحة

 .

 (حديث جرير ابن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي r  قال : من يُحرم الرفق يُحرم الخير .

(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي r  قال : إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانه .

(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي r  قال : يا عائشة إن الله رفيقٌ يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه .

 

 

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني وأُحسِن إليهم ويُسِيئون إليَّ وأحلمُ عنهم ويجهلون عليَّ فقال : لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهِمُ الملَّ و لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك  . ‌

معنى تُسِفُّهِمُ الملَّ : أي تطعمهم الرماد الحار ، وهو تشبيه لما يلحق بهم من الإثم بما يلحق به آكل الرماد الحار من الألم

 

 

قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [سورة: الأعراف - الآية: 199]

و قال تعالى: (فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ) [سورة: الحجر - الآية: 85]

و قال تعالى: (وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوَاْ أَلاَ تُحِبّونَ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ) [سورة: النور - الآية: 22]

و قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) [سورة: آل عمران - الآية: 134]

و قال تعالى: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ) [سورة: الشورى - الآية: 43]

  (حديث عائشة في الصحيحين ) أنها قالت لرسول الله r هل أتى عليك يومٌ كان أشد من أحد ؟  لقد لقيت من قومك ما لقيت ،  و كان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت و أنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا و أنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال  :  إن الله قد سمع كلام قومك لك و ما ردوا عليك و قد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد  !  فقال ذلك فما شئت إن شئت أطبق عليهم الأخشبين قلت  :  بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا  . ‌

  معنى الأخشبين الجبلان المحيطان بمكة ، والأخشب الجبل الغليظ

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r  قال :ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله  . ‌

(حديثا ابن مسعود في الصحيحين) قال : كأني أنظر إلى رسول الله  r يحكي نبياً ضربه قومُهُ فأدمَوه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .  

 

 

 

 

مسألة : ما هي أهمية الصمت وقلة الكلام ؟

 

ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بالصمت إلا فيما فيه منفعة لأن في الصمت النجاة بنص السنة الصحيحة

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : من صمت نجا . 

(حديث جابر بن سمرة في صحيح الترمذي ) قال كان رسول الله r طويل الصمت قليل الضحك .

(حديث عائشة في صحيح مسلم ) قالت كان النبي r يُحدِّث بحديثٍ لو عدَّه العادُّ لأحصاه  .

{تنبيه} : ينبغي للمسلم أن يكون منهجه في الكلام أن يكون إذا تكلم غنم وإذا سكت سلم

(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : رحم الله امرءاً تكلم فغنم أو سكت فسلم .  

قال ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه : ما شيء أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من لساني

وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه : أنصف أذنيك من فيك فإنما جُعلت لك أذنان وفمٌ واحد لتسمع أكثر مما تتكلم به .

 

 

 

مسألة : ما هي أهمية الصدق ؟

للصدق أهمية قصوى عند من نوَّر الله بصيرته ولهذا أمر الله تعالى به عباده المؤمنين

قال تعالى( يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ ) (التوبة /119)

والصدق يهدي إلى البر الذي هو جوامع الخير ، والبر يهدي إلى الجنة 

(حديث ابن مسعودٍ في الصحيحين) أن النبي r قال : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر و إن البر يهدي إلى الجنة و ما يزال الرجل يصدق و يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار و ما يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا  . ‌

 

 

مسألة : ما هو فضل قراءة القرآن ؟

ثبت في السنة الصحيحة فضل قراءة القرآن ,انه يترتب عليها أجر عظيم

(حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين  في غير إثم و لا قطع رحم فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين و ثلاث خير له من ثلاث و أربع خير له من أربع و من أعدادهن من الإبل  . ‌

(حديث ابن مسعودٍ في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول  :   {  ألم  }  حرف و لكن  :  ألف حرف و لام حرف و ميم حرف  . ‌

*والقرآن يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة

 (حديث عمر في صحيح مسلم) أن النبي r قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : يقال لصاحب القرآن  :  اقرأ و ارق و رتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها  . ‌

*وبين النبي r أن الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع الملائكة

***************************************

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال : مثل الذي يقرأ القرآن و هو حافظٌ له  مع السفرة الكرام البررة ومثلُ الذي يقرأ القرآن ويتعاهده و هو عليه شديد  فله أجران  . ‌

*والقرآن شفاعةٌ مقبولة

***************

(حديث أبي أمامة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين  :  البقرة و آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة و تركها حسرة و لا تستطيعها البطلة .‌

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح الجامع ) أن النبي r قال : الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام  :  أي رب إني منعته الطعام و الشهوات بالنهار فشفعني فيه يقول القرآن  :  رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفَّعان  . ‌

 

 

مسألة ما هو فضل الذكر ؟

يجب على طالب العلم أن يتحلى بالذكر ، فالذكرُ قوت القلوب ويمحو الله به الإثم والحوب ، وقد أمر الله تعالى الطائفة المؤمنة بأن يذكروا الله تعالى ذكراً كثيراً قال تعالى يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً ، وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (الأحزاب /41 ، 42)  والسنة الصحيحة طافحة بما يدل على فضل الذكر :

1) بين النبي r أن أصحاب الذكر هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : ?    إن لله ملائكة يطوفون في الطرقات  يلتمسون  الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا  :  هلموا إلى حاجاتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم و هو أعلم منهم  :  ما يقول عبادي  ؟  فيقولون  :  يسبحونك و يكبرونك و يحمدونك و يمجدونك فيقول  :  هل رأوني  ؟  فيقولون  :  لا و الله ما رأوك فيقول  :  كيف لو رأوني  ؟  فيقولون  :  لو رأوك كانوا أشد لك عبادة و أشد لك تمجيدا و أكثر لك تسبيحا فيقول  :  فما يسألوني  ؟  فيقولون  :  يسألونك الجنة فيقول  :  و هل رأوها  ؟  فيقولون  :  لا و الله يا رب ما رأوها فيقول  :  فكيف لو أنهم رأوها  ؟  فيقولون  :  لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا و أشد لها طلبا و أعظم فيها رغبة قال  :  فمم يتعوذون  ؟  فيقولون  :  من النار فيقول الله  :  هل رأوها  ؟  فيقولون  :  لا و الله يا رب ما رأوها فيقول  :  فكيف لو رأوها  ؟  فيقولون  :  لو رأوها كانوا أشد منها فرارا و أشد لها مخافة فيقول  :  فأشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة  :  فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة  !  فيقول  :  هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم  . ‌

2) بين النبي  r أن الفرق بين الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كالفرق بين الحي والميت

(حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي r قال مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت .

3) وبين النبي r أن الذاكر لله تعالى يفوز بمعية الله تعالى ، ومن كان معه الله فمن عليه

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم ، وإن تقَّرب إليَّ  شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً

4) بين النبي r أن أهل الذكر هم أهل السبق

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : سبق المُفَرِدون ، قالوا وما المفردون؟ قال الذاكرين الله كثيراً والذاكرات .

5) وحثنا النبي r على الذكر بفعله حيث كان يذكر الله تعالى على كلِ أحيانه

(حديث عائشة في صحيح مسلم ) قالت : كان رسول r  الله يذكر الله على كلِ أحيانه .

r6) ورغَّبنا النبي r في الاجتماع على الذكر

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : و  ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله فيمن عنده .

7) وحذر النبي r من خلو أي مجلسٍ من ذكر الله تعالى

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود ) أن النبي r ‌ قال : ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار و كان لهم حسرة   . ‌

*معنى( إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار ) : أي مجلس نتن كجيفة حمار لخلوه من ذكر الله تعالى ، لأن المجالس لا تعمرُ إلا بذر الله تعالى

*معنى ( وكان لهم حسرة) : أي كان هذا المجلس ندامة لهم يوم القيامة لخلوه من الذكر

8) وبين النبي r ‌ أن ذكر الله تعالى أن خير أعمالنا وأزكاها عند الله تعالى وأرفعها في درجاتنا وخيرٌ من إنفاق الذهب والفضة

(حديث أبي الدر داء في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي r ‌ قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم و خيرٌ لكم من إنفاق الذهب و الورق و خيرٌ لكم من أن تلقوْا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم  ؟  قالوا بلى ، قال :  ذكر الله  . ‌

{تنبيه} : اتتضح مما سبق فضل ذكر الله تعالى وبان بياناً شافياً ، ولذا يجب على طالب العلم أن يتمسك بالذكر ويعض عليه بالنوافذ ، ويقبل عليه إقبال الظامئ إقبال الظامئ على المورد العذب ، فالذكر قوت القلوب وسبب لنيلِ رضا علام الغيوب ، وهو بذلك يكون قد تأسى بالنبي r‌ في الذكر فقد كان النبي r‌ يذكر الله تعالى على كل أحيانه قائماً وقاعداً وعلى جنب ، وإليك بيان تفصيلي لذكر النبي r‌ على كل أحيانه من حيث يستيقظ إلى أن ينام .

 

 

 (حديث حذيفة في الصحيحين ) قال  كان النبي  r إذا أوى إلى فراشه قال : باسمك اللهم أموت وأحيا ، وإذا استيقظ قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أما تنا وإليه النشور .

 

 

تقول : الحمد لله الذي كساني هذا و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة

(حديث معاذ بن أنس الجُهَني في صحيح السنن الأربعة ) أن النبي r قال : من أكل طعاما ثم قال  :  الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و من لبس ثوبا فقال  :  الحمد لله الذي كساني هذا و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر  . ‌

 

 

تقول :  اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره و خير ما صنع له و أعوذ بك من شره و شر ما صنع له  

(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه قميصا أو عمامة أو رداء ثم يقول  :  اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره و خير ما صنع له و أعوذ بك من شره و شر ما صنع له  . ‌

 

 

 

تقول له : : البس جديدا و عش حميدا و مت شهيدا .

(حديث ابن عمر في صحيح ابن ماجة ) أن النبي r رأى على عمر قميصاً أبيضاً فقال : ثوبك هذا غسيلٌ أم جديد ؟ قال لا بل غسيل ، قال : البس جديدا و عش حميدا و مت شهيدا .

 

 

تقول : بسم الله ، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث .

(حديث علي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال : ستر ما بين أعين الجن و عورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول  :  بسم الله  . ‌

(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي r كان إذا دخل الخلاء قال  :  اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثُ و الخبائث  .

 

 

مسألة : ما هو الذكر الذي نقوله بعد الخروج من الخلاء ؟

 

تقول : غفرانك .

(حديث عائشة في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r كان إذا خرج من الغائط قال  :  غفرانك .

 

 

تقول : بسم الله .

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود ) أن النبي r قال : لا صلاةَ لمن لا وضوء له و لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه  . ‌

 

 

تقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين .

(حديث عمر في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : ?  ما من أحدٍ يتوضأ فيبلغ أو يسبغ  الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله إلا  فتحت له أبواب الجنة  الثمانية يدخل  من أيها شاء  . ‌

( حديث عمر صحيحي أبي داود الترمذي ) أن النبي r قال : من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال  :  أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء  . ‌‌

 

 

 

تقول : بسم الله توكلت على الله لا حول و لا قوة ، اللهم إني أعوذ بك أن أَضلَ أو أُضل أو أَزلَّ أو أُزلَّ أو أَظلم أو أُظلم أو أَجهل أو يُجْهَلَ عليَّ . 

(حديث أنس في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : إذا خرج الرجل من بيته فقال  :  بسم الله توكلت على الله لا حول و لا قوة إلا بالله فيقال له  :  حسبك قد هديت و كفيت و وقيت فيتنحى له الشيطان فيقول له شيطان آخر  :  كيف لك برجل قد هدي و كفي و وقي  ؟   . ‌

(حديث أم سلمة في صحيح السنن الأربعة ) قالت : ما خرج النبي r من بيتي قط إلا رفع طَرْفَه إلى السماء فقال : اللهم إني أعوذ بك أن أَضلَ أو أُضل أو أَزلَّ أو أُزلَّ أو أَظلم أو أُظلم أو أَجهل أو يُجْهَلَ عليَّ . 

 

 

لتقول : إني أسألك خير المولج و خير المخرج باسم الله ولجنا و باسم الله خرجنا و على الله ربنا توكلنا .

(حديث أبي موسى الأشعري في صحيح الجامع ) أن النبي r قال : إذا ولج الرجل بيته فليقل  :  اللهم إني أسألك خير المولج و خير المخرج باسم الله ولجنا و باسم الله خرجنا و على الله ربنا توكلنا ثم يسلم على أهله  . ‌

 

 

 (حديث عبد الله بن عمرو في صحيح أبي داود) أن النبي r كان إذا دخل المسجد قال  :  أعوذ بالله العظيم و بوجهه الكريم و سلطانه القديم من الشيطان الرجيم و قال  :  فإذا قال ذلك قال الشيطان  حُفِظ مني سائر اليوم  .

(حديث فاطمة في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) قالت كان رسول الله r إذا دخل المسجد قال   :  بسم الله و السلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب رحمتك و إذا خرج قال  :  بسم الله و السلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب فضلك  . ‌

 

 

 (حديث فاطمة في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) قالت كان رسول الله r إذا دخل المسجد قال   :  بسم الله و السلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب رحمتك و إذا خرج قال  :  بسم الله و السلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب فضلك  . ‌

 

 

* تقول مثل ما يقول المؤذن إلا في قوله {حي على الصلاة حي على الفلاح } تقول  :  لا حول و لا قوة إلا بالله

*ثم تقول عقب تشهد المؤذن :أشهد أن   لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله رضيت بالله ربا و بمحمد رسولا و بالإسلام دينا

*ثم تصلي على النبي r بعد فراغك من إجابة المؤذن

*ثم تقول :  اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته  . ‌

*ثم تدعو بين الأذان والإقامة فإن الدعاء بينهما لا يُرد .

(حديث أبي سعيد في الصحيحين ) أن النبي r قال إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن

(حديث معاوية في صحيح الجامع ) أن النبي r كان إذا سمع المؤذن قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ  :  حي على الصلاة حي على الفلاح قال  :  لا حول و لا قوة إلا بالله  . ‌

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم ) أن النبي r قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في

الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله و أرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة . (حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم ) أن النبي r قال من قال حين يسمع النداء   :  أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله رضيت بالله ربا و بمحمد رسولا و بالإسلام دينا غفر الله له ما تقدم من ذنبه  . ‌

(حديث جابر في صحيح البخاري ) أن النبي r قال : من قال حين يسمع النداء  :  اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفا عتي يوم القيامة  . ‌

(حديث أنس في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال لا يُرَدُ الدعاء بين الأذان والإقامة .

 

 

 

 

 

*ثبت في السنة الصحيحة أكثر من دعاء للاستفتاح وكلها صحيحة وليس بينها تعارض ، والصواب فيها أن تقرأ أحدها تارةً والأخرى تارة لأن هذا من قبيل اختلاف التنوع وليس اختلاف التضاد .

( حديث أبي سعيد في صحيح السنن الأربعة ) قال :    كان إذا استفتح الصلاة قال  :  سبحانك اللهم و بحمدك و تبارك اسمك و تعالى جدك و لا إله غيرك  . ‌

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) قال كان رسول الله r يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتةً هُنَيهةَ فقلت بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ قال أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد .

 

 

 (حديث عائشة في الصحيحين ) قالت كان رسول الله r يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي .

(حديث عائشة في صحيح مسلم ) أن رسول الله r كان يقول في ركوعه وسجوده : سبُّوحٌ قدوسٌ ربُ الملائكة والروح .

 

 

 (حديث رفاعةَ بن رافعٍ الزُرقي في صحيح البخاري ) قال كنا نصلي وراء النبي r فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجلٌ وراءه ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، فلما انصرف قال : من المتكلم ؟ قال أنا ، قال : رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول .

(حديث أبي سعيدٍ في صحيح مسلم ) قال كان رسول الله r إذا رفع رأسه من الركوع قال : ربنا لك الحمد ملئ السموات والأرض وما بينهما وملئ ما شيءت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد أحقُ ما قال العبد وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد .

 

 

 (حديث عائشة في الصحيحين ) قالت كان رسول الله r يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي .

(حديث عائشة في صحيح مسلم ) أن رسول الله r كان يقول في ركوعه وسجوده : سبُّوحٌ قدوسٌ ربُ الملائكة والروح .

 

 

 (حديث حذيفة في صحيحي أبي داود والنسائي ) أن النبي r كان يقول بين السجد تين رب اغفر لي رب اغفر لي .

(حديث ابن عباس في صحيح أبي داود والترمذي ) أن النبي r  كان يقول بين السجد تين اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني .

 

 

 (حديث أبي بكرٍ الصديق في الصحيحين ) أنه قال لرسول الله r علمني دعاءاً أدعو به في صلاتي قال : قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرةً من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم .

(حديث عليٍ في صحيح مسلم ) قال كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم : اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت .

 

 

*تقول  :  اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك  

*وتقرأ  المُعَوِّذات دبر كل صلاة .

 * وتقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضلُ وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون .

*وتسبح الله تعالى ثلاثاً وثلاثين وتحمد الله تعالى ثلاثاً وثلاثين وتكبر الله تعالى ثلاثاً وثلاثين وتقول تمام المائة

*وتقول : لا لإله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد .

 

(حديث معاذ في صحيحي أبي داود والنسائي ) أن النبي r قال : يا معاذ  !  و الله إني لأحبك أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول  :  اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك  . ‌

(حديث عقبة بن عامر في صحيحي أبي داود والترمذي ) قال أمرني رسول الله r أن أقرأ المُعَوِّذات دبر كل صلاة .

(حديث عبد الله بن الزبير في صحيح مسلم ) قال كان النبي r إذا انصرف من الصلاة قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضلُ وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين و حمد الله ثلاثا و ثلاثين و كبر الله ثلاثا و ثلاثين فتلك تسع و تسعون و قال تمام المائة  :  لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير غفرت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر  . ‌

( حديث المغيرة في الصحيحين ) كان النبي r يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفعُ ذا الجد منك الجد . 

 

 

.‌ينبغي لطالب العلم أن يتمسك بأذكار الصباح والمساء وأن لا يتركها ما دام حياً فإنها حِصنٌ حصين وحرزٌ متين ، وقد حثنا الله تعالى على أذكار الصباح والمساء بقوله تعالى ( فَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) { ق/39}

(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم ) قال : كان النبي r إذا أمسى قال : أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله , ولا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، ربِّ أسألك خيرَ ما في هذه الليلة وخيرَ ما بعدها وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشرِ ما بعدها ، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر ، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر ، وإذا أصبح قال ذلك أيضاً : أصبحنا وأصبح الملك لله .

(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : إذا أصبح أحدكم فليقل  :  اللهم بك أصبحنا و بك أمسينا و بك نحيا و بك نموت و إليك المصير و إذا أمسى فليقل  :  اللهم بك أمسينا و بك أصبحنا و بك نحيا و بك نموت و إليك النشور  . ‌

(حديث شداد بن أوس في صحيح البخاري ) أن النبي r قال : سيدُ الاستغفار أن تقول  :  اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة و من قالها من الليل و هو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة  . ‌

(حديث عبد الله بن خُبيب في صحيح أبي داود والترمذي )  أن النبي r قال : قل ( قل هو الله أحد والمُعَوِّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كلِ شيء )

(حديث عثمان في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : ما من عبد يقول في صباح كل يوم و مساء كل ليلة  :  بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض و لا في السماء و هو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء  . ‌

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : من قال  :  لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب و كتبت له مائة حسنة و محيت عنه مائة سيئة و كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي و لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع ) أن النبي r قال : من قال  لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد  و هو على كل شيء قدير بعد ما يصلي الغداة عشر مرات كتب الله له عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان له بعدل عتق رقبتين من ولد إسماعيل ، وإن قالها حين يمسي كان له مثل ذلك وكن له حجاباً من الشيطان حتى يصبح    . ‌

(حديث عبد الرحمن بن أبزى في صحيح الجامع ) أن النبي r كان إذا أصبح و إذا أمسى قال  :  أصبحنا على فطرة الإسلام و كلمة الإخلاص و دين نبينا محمد و ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما و ما كان من المشركين

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : من قال  :  سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : من قال حين يصبح و حين يمسي  :  سبحان الله العظيم و بحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك و زاد عليه

(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داود وابن ماجة ) قال لم يكن رسول r  الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح {     اللهم إني أسألك العفو و العافية الدنيا والآخرة ، اللهم إني أسألك العفو والعافية  في ديني ودنياي و أهلي و مالي،  اللهم استر عوراتي و آمن روعاتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي  .

( حديث أبي الدر داء في صحيح الجامع ) أن النبي r قال : من صلى عليَّ حين يصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفا عتي يوم القيامة .

(حديث أبي بكرة في صحيح أبي داود) أن النبي r كان يدعو : اللهم عافني في بدني اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري اللهم إني أعوذ بك من الكفر و الفقر اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) قال جاء رجلٌ إلى النبي r فقال يا رسول الله ما لقيت من عقربٍ لدغتني البارحة، قال : أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك .

( حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي ) أن النبي  r قال : من قال حين يمسي ثلاث مرات { أعوذ بكلمات الله التامات ون شر ما خلق } لم يضره حَمَة تلك الليلة }

*معنى حَمة : أي ذوات السموم

( حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي) أن أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه قال يا رسول الله مُرْني بكلماتٍ أقولهن إذا أصبحت و‘ذا أمسيت ، قال قل اللهم فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة رب كل شيء و مليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي و من شر الشيطان و شركه قلها إذا أصبحت و إذا أمسيت و إذا أخذت مضجعك  . ‌

{ تنبيه } : ويستحب في أذكار الصباح أن يديم الذكر حتى تطلع الشمس فيُكتب له أجر حجةٍ وعمرةٍ تامةٍ بإذن الله تعالى .

( حديث أنس في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلعَ الشمسُ ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجةٍ و عمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامة  . ‌

{تنبيه} : وبعد أن يؤدي ذكر الله تعالى تجده r يتقلب في نعمة ذكر الله تعالى في حركاته وسكناته وفي كل أحواله ، فإذا أراد تناول الطعام ذكر الله وإذا ذهب للسوق ذكر الله وإذا رأى ما يحب ذكر الله وإذا رأى ما يكره ذكر الله وحال الكرب له ذكرٌ لله وإذا رأى مبتلى ذكر الله . وإليك غيضٌ من فيض مما ورد في السنة الصحيحة من هذه الأذكار .

 

 

 

 

 (حديث عائشة في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال إذا أكل أحدكم طعاما فليقل باسم الله فإن نسي في أوله فليقل  :  بسم الله على أوله و آخره  . ‌

(حديث ابن عباس في صحيحي أبي داود وابن ماجة ) أن النبي r قال من أطعمه الله طعاما فليقل  :  اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيرا منه و من سقاه الله لبنا فليقل  :  اللهم بارك لنا فيما رزقتنا و زدنا منه فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام و الشراب إلا اللبن  . ‌

 

 

 (حديث أبي أمامة في صحيح البخاري ) قال كان النبي r إذا فرغ من طعامه قال : الحمد لله الذي كفانا وأرْوَانا غير مَكْفيٍّ ولا مكفور .

*معنى كفانا : من الكفاية الشاملة لجميع النعم وهذا عام ، وذكر الري بعده من باب ذكر الخاص بعد العام .

*معنى غير مكفيٍّ  : أي ما أكلناه ليس كافياً عما بعده

*معنى ولا مكفور : أي لا نكفر بنعم الله تعالى الذي أسبغها علينا سبحانه .

( حديث معاذ بن أنس الجُهَنِي في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : من أكل طعاما ثم قال  :  الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام و رزقَنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و من لبس ثوبا فقال  :  الحمد لله الذي كساني هذا و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر  . ‌

 

 

 (حديث علي بن ربيعة في صحيحي أبي داود والترمذي ) قال شهدت علي بن أبي طالب أتي بدابةٍ ليركبها ، فلما وضع رجله على الركاب قال بسم الله ، فلما استوى على ظهرها قال : الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، ثم قال : الحمد لله ثلاثاً ، الله أكبر ثلاثاً ، سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ثم ضحك . ، فقلت من أي شيء ضحكت  يا أمير المؤمنين ؟ قال : رأيت رسول الله r صنع كما صنعتُ ثم ضحك .

 

(حديث ابن عمر في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال : من قال حين يدخل السوق   :  لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد يُحيي ويُميت وهو حيٌ لا يموت بيده الخير  و هو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحى عنه ألف ألف سيئةٍ وبنى له بيتاً في الجنة. ‌

 

 

 (حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة )  قال  ودعني رسول الله r فقال  : أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه  . ‌

 

 

 

(حديث ابن عمر في صحيح ابن ماجة) قال كان رسول الله r إذا أشخص السرايا يقول للشاخص : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك .

 

 (حديث ابن عمر في صحيح مسلم ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال ! سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون >! اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون

 

 

 

 

 (حديث عائشة في صحيح ابن ماجة ) قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال .

 

 

 

(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة ) قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال .

 

 

 (حديث ابن عباس في الصحيحين ) أن النبي r كان يقول عند الكرب  لا إله إلا الله العظيم الحليم   ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم .

 

 

 ( حديث أنس في الصحيحين ) قال كان النبي r يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و العجز و الكسل و الجبن و البخل  و ضلع الدين و غلبة الرجال                                                  

(حديث ابن مسعود في السلسلة الصحيحة )أن النبي r قال : ما أصاب عبداً همٌ ولا حزنٌ فقال : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيَّ حكمك ، عدلٌ فيَّ قضاؤك ، أسألك بكلِ اسمٌ هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدٌ من خلقك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبي ونورَ بصري وجلاء حزني وذهاب همِّي إلا أذهب الله همَّه وأبدله مكانه فرجاً .

 

 

 ( حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي ) أن النبي  r  قال : من رأى مبتلى فقال  :  الحمد لله الذي      عافاني مما ابتلاك به و فضلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء.‌

 

 

 ( حديث طلحة ابن عُبيد الله في صحيح الترمذي ) أن النبي r  كان إذا رأى الهلال قال  :  اللهم أهله علينا باليمن و الإيمان و السلامة و الإسلام ربي و ربك الله  . ‌

 

 

(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع ) أن النبي r قال : كفارة المجلس أن يقول العبد  :  سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك و أتوب إليك  . 

(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك  :  سبحانك اللهم ربنا و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك  . ‌

 

 

 

 (حديث علي في صحيح الترمذي ) «أَنّ مُكَاتِباً جاءَهُ فقالَ إنّي قَدْ عَجْزِتُ عنْ كِتَابَتِي فَأَعِنّي، قالَ أَلاَ أُعَلّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلّمَنِيهِنّ رَسُولُ الله   r ؟ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْناً أَدّاهُ الله عَنْكَ. قالَ قُلْ اللّهُمّ اكْفِني بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَاغْنِني بِفَضْلِكَ عمن سِوَاكَ».

 

 

 (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) قال : * كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول  ( اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر .

(حديث حذيفة في الصحيحين ) قال  كان رسول الله r إذا أوى إلى فراشه قال : باسمك اللهم أموت وأحيا ، وإذا استيقظ قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتتا وإليه النشور .

( حديث البراء في الصحيحين ) قال ، قال لي رسول الله  r  إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوئك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل  :  اللهم أسلمت وجهي إليك و فوضت أمري إليك و ألجأت ظهري إليك رغبة و رهبة إليك  لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت و بنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة و اجعلهن آخر ما تتكلم به  . ‌

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليضطجع على شقه الأيمن ثم ليقل  :  باسمك ربي وضعت جنبي و بك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها و إن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين  . 

( حديث عائشة في الصحيحين ) أن النبي r كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ( قل هو الله وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات . 

(حديث علي في الصحيحين ) أن فاطمة أتت النبي  r تشكو إليه  ما تلقى في يدها  من الرحى – وبلغها أنه قد جاءه رقيق – فلم تصادفه   فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة ، قال  فجاء وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم له  فقال على مكانكما فقعد بيني وبيننا  حتى وجدت برد قدمه على بطني فقال ألا أدلكما على خيرٍ  مما سألتما ،  إذا أخذتما مضاجعكما  - أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً  وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبِّرا أربعاً  وثلاثين فهو خير لكما من خادم .

(حديث حفصة في صحيح أبي داود) قالت كان رسول الله r إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خَدِّه ثم يقول : اللهم قِني عذابك يوم تبعث عبادك . 

 

 

 (حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : إذا فزع أحدكم من النوم فليقل  :  أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه و عقابه و شر عباده و من همزات الشياطين و أن يحضرون فإنها لن تضره                                                                                          

 

 

 (حديث عائشة في صحيح الجامع ) قالت   كان إذا تضور من الليل قال  :  لا إله إلا الله الواحد القهار رب السموات و الأرض و ما بينهما العزيز الغفار .‌

*معنى تّضَوَّر : أي تلوى وتقلب ظهراً لبطن

 

 

 ( حديث عبادة بن الصامت ) أن النبي r قال : من تعار من الليل فقال:  لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  له الملك و له الحمد  و هو على كل شيء قدير سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر و لا حول و لا قوة إلا بالله ثم قال  :  اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ و صلى قبلت صلاته  . ‌

*معنى : تعارَّ أي استيقظ

 

 

 ( حديث ابن عباس في الصحيحين ) قال كان النبي r إذا تهجد من  الليل قال : اللهم لك الحمد

أنت قيمُ السماوات والأرض  ومن فيهن ،  ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ،  ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد  أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق ، والنبيون  والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت المقدِّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت .

 

 

 

 (حديث الحسن بن علي في صحيح السنن الأربعة ) قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر{ اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت}

(حديث علي في صحيح أبي داود وابن ماجة ) أن النبي  r كان يقول في آخر وتره  : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك  . ‌

 

 

 

 (حديث أبي موسى في الصحيحين ) قال كنا مع رسول الله  r في غزاةٍ فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبطُ في وادٍ إلا رفعنا صوتنا بالتكبير فدنا منا رسول الله  r فقال : أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم ل تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيرا ، ثم قال : يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمةً هي من كنوز الجنة : لا حول ولا قوة إلا بالله .

 

 

 

وينبغي على طالب العلم أن يلزم الاستغفار وأن يغرف منه غرفاً لأنه دواء الذنوب فطوبى لمن وُجِد في صحيفته استغفارٌ كثير ، وقد كثُر ذكر الاستغفار في القرآن الكريم فتارةٌ يؤمر به قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ) [سورة: المزمل - الآية: 20]

وتارةٌ يمدح أهله كقوله تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ) [سورة: آل عمران - الآية: 17]

وتارة يذكر الله تعالى أنه يغفر لمن يستغفره كقوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوَءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رّحِيماً) [سورة: النساء - الآية: 110]

والسنة الصحيحة طافحة بما يدل على فضل الاستغفار وهاك بعضها :

(حديث الأغرِّ المُزني في صحيح مسلم ) أن النبي  r قال : يا أيها الناس  !  توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة  . ‌

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي  r قال والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة .

(حديث عبد الله بن بُسر في صحيح ابن ماجة ) أن النبي  r قال  طوبى لمن وُجد في صحيفته استغفارا كثيرا  . ‌

(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي  r قال : قال الله تعالى : يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السّمَاءِ ثُمّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» .

*معنى عنان السماء : قيل هو السحاب وقيل هو ما عَنَّ لك منها أي ما ظهر لك منها 

(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع ) أن النبي  r قال :إن إبليس لعنه الله قال وعزتك وجلالك لا أبرح أُغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم ، فقال الله عز وجل : وعزتي وجلالي لا ابرح أغفر لهم ما استغفروني . 

(حديث شداد بن أوس في صحيح البخاري ) سيد الاستغفار أن تقول  :  اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة و من قالها من الليل و هو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة  . ‌

الآثار الواردة في فضل الاستغفار :

*********************

قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه : ما ألهم الله سبحانه عبدأ الاستغفار وهو يريد أن يعذبه

وقال قتادة رحمه الله تعالى : إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم فأما داؤكم فالذنوب وأما   دواؤكم فالاستغفار

وجاء ثلاثة إلى الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه واشتكى الأول قلة المطر فقال له أكثر من الاستغفار ، واشتكى الثاني العقم فقال له أكثر من الاستغفار ، واشتكى الثالث جدب الأرض وقلة النبات فقال له أكثر من الاستغفار . فقال له أحد جلسائه : يا ابن رسول الله كلُ الثلاثةِ مختلف الشكاية وأنت وحدت الجواب بينهم فقال رضي الله تعالى عنه   أما قرأتم قول الله تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً ،يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً ،وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لّكُمْ أَنْهَاراً) {سورة: نوح /12،11،10 }

 

 

 

مسألة : ما هو فضل الدعاء ؟

يجب على طالب العلم أن يهتم بالدعاء اهتماما بالغاً فإن الدعاء هو العبادة ، والدعاء سهمٌ لا يخيب ، والموفق من وفق للدعاء ، ولله درُّ من قال :

أتهـــزأُ بالدعــــاءِ وتزدريـــــهِ

 

ومـا تـدري بمـا صـنع الدعـــاءُ

ســـهامُ الليــــــلِ لا تُخـطي ولكن

 

لهـا أمـدٌ وللأمـدادِ انقـضــــاءُ

وقد امرنا الله تعالى بالدعاء ووعدنا بالإجابة والله تعالى لا يخلف الميعاد قال تعالى: (وَقَالَ رَبّكُـمْ ادْعُونِيَ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ) [سورة: غافر - الآية: 60] وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ) [سورة: البقرة - الآية: 186]

وقال تعالى: (ادْعُواْ رَبّكُمْ تَضَرّعاً وَخُفْيَةً إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ) [سورة: الأعراف - الآية: 55] ، والسنة طافحةٌ بما يدل على أن الدعاء له فضلٌ عظيم ويترتب عليه أجرٌ جسيم ، وإليك غيضٌ من فضل مما ورد في ذلك

*بين النبي r أن الدعاء هو العبادة لأن العبادة هي التذلل والخضوع والدعاء هو التذلل والخضوع من العبد الفقير الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلى الله تعالى الذي يملك الضر والنفع .

(حديث النعمان بن بشير في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : الدعاء هو العبادة ، ثم تلا قوله تعالى: (وَقَالَ رَبّكُـمْ ادْعُونِيَ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ)

{تنبيه} : الذي يتأمل في قوله r ( الدعاء هو العبادة) يتضح له وضوحاً جلياً كيف أن الله تعالى كرمه فياضٌ وجوده متتابع حيث جعل سؤال عباده له لقضاء حوائجهم من أعظم العبادات وأجلِّ القربات فعظَّم الرغبة عندهم في الدعاء حتى قال ( الدعاء هو العبادة)  ، بل وذم ترك الدعاء وعدَّه استكباراً عليه وهدده بأشدِ أنواع التهديد حيث قال تعالى: (وَقَالَ رَبّكُـمْ ادْعُونِيَ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ)

*وبين النبي r أن من لم يسال الله يغضب عليه

(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال من لم يسال الله يغضب عليه .

*وبين النبي r أنه ليس شيء أكرم على الله من الدعاء

(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال : ليس شيء أكرم على الله من الدعاء .

*وبين النبي     rأن الله تعالى يستحي من عبده إذا رفع يديه   إليه أن يردهما صفرا  

 

(حديث سلمان في صحيح أبي داود والترمذي ) أن النبي r  قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه   إليه أن يردهما صفرا  . ‌

*وبين النبي r أن الدعاء من الأدوية النافعة فلا يرد القضاء إلا الدعاء

(حديث سلمان في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال لا يرد القضاء إلا الدعاء و لا يزيد في العمر إلا البر  . ‌

*وبين النبي r أن الله تعالى يستجيب الدعاء فإما أن يُعجِّل له الإجابة في الدنيا و إما أن يدخر له في الآخرة  ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل .

(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا و إما أن يدخر له في الآخرة  ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل .

 

 

 

للدعاء آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون دعاؤه أرجى للقبول ، ومن هذه الآداب ما يلي :

1)                 أن يدعو الله وهو موقنٌ بالإجابة :

************************

(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي ) أن النبي  r قال  ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاه  .

*قال سفيان ابن عيينة رحمه الله تعالى : لا يمنعنَّ أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فإن الله تعالى أجاب دعاء شرِ الخلق إبليس لعنه الله إذ قال: رَبّ فَأَنظِرْنِي إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

(قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِي إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [سورة: الحجر - الآية: 36]  ‌

2)                 يعزم مسألته فإن الله تعالى يفعل ما يشاء لا مكره له :

************************************

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال ? لا يقولن أحدكم  :  اللهم اغفر لي إن شيءت اللهم ارحمني إن شيءت اللهم ارزقني إن شيءت و ليعزم المسألة فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له  . ‌

3)                 يعظم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء  أعطاه

**********************************

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه .

4)                 أن لا يعجل

**********

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : يستجاب أحدكم ما لم يعجل ، يقول دعوت فلم يُستَجِبْ لي .

5)                 يترصد للدعاء الأوقات الشريفة :

*********************** كيوم عرفة من السنة ن ورمضان من الشهور ، ويوم الجمعة من الأسبوع ، ووقت السحر من ساعات الليل ، وقد ثيت في السنة الصحيحة بان فضل هذه الأوقات الشريفة وإليك بعض ما ورد في هذا 

*فضل يوم عرفة :

************

(حديث عائشة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة .

(حديث أبي قتادة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال في يوم عرفة : أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والمستقبلة . 

*فضل رمضان :

********** (حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين و مردة الجن و غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب و فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب و ينادي مناد كل ليلة  :  يا باغي الخير أقبل و يا باغي الشر أقصر و لله عتقاء من النار و ذلك كل ليلة  . ‌

فضل يوم الجمعة :

************

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r ذكر يوم الجمعة فقال فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها

فضل ساعة السحر

************

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : ينزل ربنا تبارك و تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول  :  من يدعوني فأستجيب له  ؟  من يسألني فأعطيه  ؟  من يستغفرني فأغفر له  . 

فضل الدعاء بين الآذان والإقامة :

*********************

(حديث أنس في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : لا يُردُ الدعاء بين الآذان والإقامة .

فضل الدعاء في السجود :

*****************

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء .

  • ·                    الدعاء بصوتٍ بين المخافتة والجهر :

*************************

(حديث أبي موسى في الصحيحين ) قال كنا مع رسول الله  r في غزاةٍ فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبطُ في وادٍ إلا رفعنا صوتنا بالتكبير فدنا منا رسول الله  r فقال : أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم ل تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيرا ، ثم قال : يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمةً هي من كنوز الجنة : لا حول ولا قوة إلا بالله .

7 ) يفتتح الدعاء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي  r

****************************************

(حديث فضالة ابن عُبيد في صحيحي أبي داود والترمذي) قال  ?  إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله تعالى و الثناء عليه ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد بما شاء  . ‌

(حديث عمر في صحيح الترمذي موقوفاً ) قال : إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء إلى السماء حتى تصلي على نبيك  r .

8)أن يطيب مطعمه :

************* (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي  r قال :  أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فقال تعالى( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم )  وقال ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك .

9)أن يرفع يديه ويستقبل القبلة لأنها أشرف الجهات :

******************************** 

 (حديث سلمان في صحيح أبي داود والترمذي ) أن النبي r  قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه   إليه أن يردهما صفرا  . 

 

 

(حديث ابن عباس في صحيح أبي داود موقوفاً) قال : المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما والاستغفار أن تشير بأُصبع واحدة والابتهال أن تمد يديك جميعا

10)          أن يدعو الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى :

*************************************************

(حديث أنس في صحيح السنن الأربعة) قال سمع النبي r رجلاً يقول :اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى .

(حديث بريدة في صحيحي أبي داود والترمذي) قال  سمع النبي r  رجلا يقول :  اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا  سئل به أعطى.

 

 

 

يُستحب الجوامع من الدعاء تأسياً بالنبي r

(حديث عائشة في صحيح أبي داود) قالت كان رسول الله يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك .

ويستحب كذلك الداء بأدعية الكتاب والسنة فإنك لن تجد أبلغ منهما ولا  أشمل لخيري الدنيا والآخرة ، ولكن لا يقتصر على ذلك بل يدعو بكل ما يريد ، وإليك أخي نموذجاً من الدعوات الجامعة النافعة على سبيل المثال لا الحصر مبتدأً بحمد الله والثناء عليه ثم الصلاة على النبي r  ثم الدعاء باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى

 

 

 

1) نموذج لحمد الله تعالى والثناء عليه :

*************************           

*اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ومنه ملئ السموات والأرض وما بينهما وملئ ما شيءت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد وكلنا لك عبد ،اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد .

*سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخرُ فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ، ليس كمثلك شيء وأنت السميع البصير .

2) الصلاة على النبي r

***************  

  • ·        اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد .

3) الدعاء باسم الله الأعظم أن يستجيب دعاءنا ولا يردنا خائبين

************************************* **

اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم أن تستجيب دعاءنا ولا تردنا خائبين ولا عن بابك مطرودين ولا من رحمتك محرومين يا مجيب دعوة المضطرين ، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا ولا تطردنا بعيوبنا ويسِّر لنا أمورنا واختم بالصالحات أعمالنا ، اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة .

اللهم يا عالم الخفيات  ويا رفيع الدرجات ويا مجيب الدعوات ويا قاضى الحاجات افتح لدعائنا القبول والإجابة وارزقنا التوبة وحسن الإنابة .

اللهم إنك قلت وقولك الحق ( أدعوني أستجب لكم ) ، ها نحن ندعوك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا

4)     نموذج للدعاء من القرآن الكريم :

***********************

  • ·        اللهم( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ،صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ ){الفاتحة/6،7}

رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) {البقرة/286}

  • ·        رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لّدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ {آل عمران/8}
  • ·        ربّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيَ أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) { آل عمران/  147}
  • ·        رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاَةِ وَمِن ذُرّيَتِي رَبّنَا وَتَقَبّلْ دُعَآءِ، رَبّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) { إبراهيم / 40، 41}
  • ·        رَبّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذَابَ جَهَنّمَ إِنّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً،  إِنّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) { الفرقان/66،65 }
  • ·        رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُرّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً {الفرقان/74}
    • ·        رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ) { {الحشر / 10}

5)     نموذج للدعاء من السنة :

******************

*(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) قال كان رسول الله r يقول : اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي و أصلح لي آخرتي التي فيها معادي و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير و اجعل الموت راحة لي من كل شر  . ‌

*(حديث الحسن بن علي في صحيح السنن الأربعة ) قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر{ اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت}

(حديث علي في صحيح أبي داود وابن ماجة ) أن النبي  r كان يقول في آخر وتره  : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك  . ‌

 (حديث ابن عمر في صحيح مسلم ) قال كان رسول الله يقول اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوِّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع خلقك .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي  r كان يتعوذ من جَهْدِ البلاء ودَرَكِ الشقاءِ وسوءِ القضاءِ وشماتةِ الأعداء .

(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم ) أن النبي  r كان يقول : اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى .

(حديث علي في صحيح مسلم ) قال ، قال رسول الله  r : اللهم إني أسألك الهدى والسداد .

(حديث أنس في الصحيحين)  قال كان أكثر دعاء النبي  r ( اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار .

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم ) أن النبي  r قال : اللهم مُصَرِّفَ القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك .

( حديث أنس في الصحيحين ) قال كان النبي r يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و العجز و الكسل و الجبن و البخل  و ضلع الدين و غلبة الرجال .

(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي  r كان يقول في دعائه : اللهم إني أعوذ بك من  شرِ ما عملت ومن شرِ ما لم أعمل .

(حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم ) قال كان رسول الله  r يقول : اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها  .

(حديث زياد ابن علاقة عن عمه قُطبة ابن مالك في صحيح الترمذي)  أن النبي r كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء .

(حديث شَكَل ابن حُمَيد في صحيحي أبي داود والترمذي) قال قلت يا رسول الله علمني دعاءاً ، قال : قل اللهم إني أعوذ بك من شرِّ بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيِّي .                    (حديث أنس في صحيح أبي داود ) قال كان رسول الله r يقول : اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئِ الأسقام .

(حديث أبي البسر في صحيحي أبي داود والنسائي) أن رسول الله r كان يدعو اللهم إني أعوذ بك من التردي و الهدم و الغرق و الحرق و أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت و أعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا و أعوذ بك أن أموت لديغا

(حديث   هريرة في صحيحي أبي د اود والنسائي)  ‌قال كان رسول الله r يقول اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة  . ‌

(حديث ابن عمر في صحيح الترمذي ) قال قلما كان رسول الله  r   يقوم من مجلسٍ حتى يدعو بهؤلاء الكلمات : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا و بين معاصيك و من طاعتك ما تبلغنا به جنتك و من اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصيبات الدنيا و متعنا بأسماعنا و أبصارنا و قوتنا ما أحييتنا و اجعله الوارث منا و اجعل ثأرنا على من ظلمنا و انصرنا على من عادانا و لا تجعل مصيبتنا في ديننا و لا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا و لا تسلط علينا من لا يرحمنا  . ‌

(حديث عمار ابن ياسر في صحيح النسائي) أن النبي r كان يدعو بهذا الدعاء اللهم بعلمك الغيب و قدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي و توفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ، اللهم و أسألك خشيتك في الغيب و الشهادة و أسألك كلمة الحق في الرضا و الغضب و أسألك القصد في الفقر و الغنى و أسألك نعيما لا ينفد و قرة عين لا تنقطع و أسألك الرضا بالقضاء و أسألك برد العيش بعد الموت و أسألك لذة النظر إلى وجهك و الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة و لا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان و اجعلنا هداة مهتدين  . ‌

(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة ) أن رسول الله علمها هذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيك و أعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك و نبيك اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود وابن ماجة ) أن النبي r كان يقول : اللهم انفعني بما علمتني ،وعلمني ما ينفعني وزدني علماَ .

(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داود وابن ماجة ) قال لم يكن رسول الله r يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أسألك العفو و العافية في الدنيا والآخرة ، اللهم إني أسألك العفو و العافية  في ديني و  دنياي  و أهلي و مالي ،  اللهم استر عورتي و آمن روعتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي  . ‌

(حديث ابن مسعود في السلسلة الصحيحة )أن النبي r قال : ما أصاب عبداً همٌ ولا حزنٌ فقال : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيَّ حكمك ، عدلٌ فيَّ قضاؤك ، أسألك بكلِ اسمٌ هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدٌ من خلقك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبي ونورَ بصري وجلاء حزني وذهاب همِّي إلا أذهب الله همَّه وأبدله مكانه فرجاً .

 {تنبيه}: يستحب للمسلم أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات فإنه من كنوز الحسنات

(حديث عبادة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ حسنة .

*نموذج لأدعية ليست من الكتاب والسنة ولكنها نافعة وتوافق الكتاب والسنة :

*************************************************

*اللهم ارزقنا الإخلاص قولاً وعملاً سراً وعلانية

*اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور

*اللهم ارزقنا الثبات على الدين وحسن الخاتمة

*اللهم وّسِّع في أرزاقنا من المال والعلم ولا تفتنا بهم وفقنا إلى الإحسان لإلى الناس بهم

*اللهم افتح علينا رزقاً لا تجعل لأحدٍ علينا فيه منة ولا لك علينا في الآخرة تبعة

*اللهم إنا نُنزل فاقتنا بك ولا ننزلها بأحدٍ سواك فاغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك

*اللهم فَرِّج هم المهمومين ونفِّس كرب لمكروبين واقض الدين عن المدينين وارحم موتانا وموتى المسلمين ، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك ، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدلهم داراً خيراً من دارهم وأهلاً خيراً من أهلهم وزوجاً خيراً من زوجهم وأعذهم ن عذاب القبر وعذاب النار ، اللهم اغفر لهم في المهديين واخلفهم في عقبهم في الغابرين واغفر لنا ولهم يا رب العالمين ، ووسِّع لهم في قبورهم ونوِّر لهم فيها ، اللهم وجازهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً حتى يكونوا في بطون الألحاد مطمئنين وعند قيام الأشهاد آمنين ، اللهم انقلهم من ضيق اللحود ومراتع الدود إلى جنات الخلود في سدرٍ مخضود وطلحٍ منضود وظلٍ ممدود وماءٍ مسكوب ، اللهم وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه .

*اللهم يا رحيم يا رحمن ارزقنا الغفران والعفو عما سلف وكان من الذنوب والعصيان ، وارزقنا خشية الرحمن وامتثال القرآن وجنبنا العصيان واستحواذ الشيطان وارزقنا التوبة الصالحة قبل فوات الأوان

*اللهم يا رحيم يا غفار ألزِم قلوبنا السكينة والوقار والفكرة والاعتبار والتوبة والاستغفار

واجعلنا من عبادك الصادقين الأبرار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

*اللهم يا رحيم يا تواب وفقنا للحق والصواب وموافقة السنة والكتاب وارزقنا التوبة وحسن المآب قبل أن يمر العمر مر السحاب

*اللهم يا عزيز يا غفور ارحم غربتنا في القبور وما فيها من الدواهي والأمور تحت الجنادل والصخور وحوِّل ظلمتها إلى نور ، وآمنَّا يوم البعث والنشور ، ووفقنا لفعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وعملٍ متقبلٍ مبرور ، إنك سبحانك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

*اللهم يا عليُّ يا كبير يا من لا يظلم الفتيل والنقير تجاوز عن الخطأ والتقصير والطُف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك سبحانك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير ، وأنت حسبنا ونعم الوكيل ، وآخر دعونا أن لحمد لله ر العالمين .

*اللهم يا فالق الحب والنوى ويا مُنشيء الأجساد بعد البِلى  وفقنا لحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وأن نتذكر الموت والبلى فنستحي من الله حق الحيا .

*اللهم يا ذا القوة المتين يا رجاء السائلين ويا مجيب دعوة المضطرين اجعلنا من حزبك المفلحين وعبادك المتقين وآمنَّا من الفزع الأكبر يوم الدين واغفر لنا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم يا فعَّالاً  لما تريد يا ذا الحبل الشديد والأمرِ الرشيد نسألك الأمن يوم الوعيد والجنة دار الخلود مع المقربين الشهود الرُكَّعِ السجُود الموفين بالعهود يا غفور يا ودود .

*اللهم وفق الرعاةَ والرعية وأصلح لهم النية ونجهم من كلِ بلِّية ، اللهم وفقهم بتوفيقك وأيدهم بتأييدك ، اللهم اهدهم بهداك واجعل عملهم في رضاك ، وقيض لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على مصالح العباد والبلاد ، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءاً رخاءاً وسائر بلاد المسلمين ووفقهم للعمل بالدين يا قوي يا متين .    

 

 

تحلية اللسان بالصلاة على النبي r

مسألة : ماهو فضل الصلاة على النبي r ؟

ينبغي على طالب العلم أن يلزم الصلاة على النبي r وذلك للأسباب الآتية :

1) امتثالاً لأمر الله تعالى حيث أمر بالصلاة على النبي r   في محكم التنزيل حيث قال تعالى: (إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ صَلّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) [الأحزاب / 56]     

2) حصول عشر صلوات من الله تعالى على المصلي على النبي إذا صلى على النبي  r   مرةً واحدة .

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم ) أن النبي r   قال :  إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله و أرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة  . ‌

3) أنها سببٌ لنيل شفاعة النبي r 

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي r   قال : من صلى عليَّ أو سأل ليَ الوسيلة حقت عليه شفا عتي يوم القيامة .  

4) أنها سبب لكفاية العبد هم الدنيا وهم الآخرة

(حديث زيد ابن طلحة التيمي لأحمد وصححه الألباني)  أن النبي r قال : أتاني آتٍ من ربي فقال ما من عبدٍ يصلي عليك صلاةً إلا صلى الله عليه بها عشراً ، فقام إليه رجلٌ فقال يا رسول الله نصف دعائي لك ؟ قال : إن شئت . ، قال ألا أجعل ثلثي دعائي ؟ قال : إن شئت ،  قال : ألا أجعل دعائي كله ؟ قال : إذن يكفيك الله هم الدنيا والآخرة .

5)أنها ترمي بصاحبها على طريق الجنة

(حديث ابن عباس في صحيح ابن ماجة ) أن النبي r قال ك من نسيَ الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة .

{تنبيه} : المقصود بالنسيان هنا هو الترك كقوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىَ) ( طه – 126) ، وليس المقصود بالنسيان هنا الذهول لأن الإنسان لا يؤاخذ بالنسيان .

6)     أخبر النبي r أن البخيل هو الذي لم يصلي على النبي r إذا ذُكر عنده

(حديث علي في صحيح الترمذي) أن النبي r قال :البخيلُ الذي من ذكرت عنده فلم يصلي عليّ .

7)     أخبر النبي r أن من لم يصلي عليه فقد خاب وخسر وألصقت أنفه بالتراب ، وما ذلك إلا لفوات الأجر والفضل .

(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي و رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له و رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة  . ‌

8)     أن الدعاء لا يصعد إلى لسماء حتى تصلي على النبي r

(حديث عمر في صحيح الترمذي موقوفاً) قال : إن الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك r .

 

تحلية اللسان با لكلمة الطيبة والإصلاح بين الناس

مسألة : ما هو فضل الإصلاح بين الناس ؟

إن الإصلاح بين الناس من أفضل القربات وأجل الطاعات ، ويترتب عليه الأجر العظيم بنص القرآن والسنة الصحيحة ،  بل هو أفضل من درجة الصيام والصلاة وقد حثنا الله تعالى على إصلاح ذات البين في محكم التنزيل منها مايلي :  

قال تعالى: (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ( النساء / 114)

النجوى: السر بين الاثنين ، تقول : ناجيت فلاناً مناجاة  *

*ومعنى (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ) : لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ ، ثم وعد الله تعالى من يفعل هذه الخصال الثلاث ابتغاء مرضاته فسوف يؤتيه أجراً عظيماً فقال سبحانه

(وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)

وقال تعالى: (فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) ( الأنفال / 1)

وقال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ( الحجرات / 10)

والسنة الصحيحة طافحةُ بالحث على إصلاح ذات البين ومنه ما يلي :

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة و يعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة و الكلمة الطيبة صدقة و كل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة و يميط الأذى عن الطريق صدقة  . ‌

{تنبيه}: معنى سُلامى أي مفصل ، والمعنى أن على كل مسلم مكلف بعدد كلِ مفصل من عظامه صدقةٌ لله تعالى على سبيل الشكر على أن جعل لعظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط .

الشاهد من الحديث : قوله r يعدل بين الاثنين صدقة  .

*وقد رخص النبي r في الكذب من أجل الإصلاح بين الناس ، مما يدل على فضل الإصلاح بين الناس .

(حديث أم كلثوم بنت عقبة في الصحيحين) أن النبي r قال : ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا  . ‌

زاد مسلم (ولم أسمعه يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها )

*وبين النبي r أن إصلاح ذات البين أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة .

(حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي  r قال :  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام و الصلاة و الصدقة  ؟  إصلاح ذات البين،  وفساد ذات البين هي الحالقة.

قال الإمام 00 في فيض القدير شرح الجامع الصغير

)  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة   )  أي بدرجة هي أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة   

(  إصلاح ذات البين  )  أي إصلاح أحوال البين حتى تكون أحوالكم أحوال صحبة وألفة أو هو إصلاح الفساد والفتنة التي بين القوم

 (  فإن فساد ذات البين هي الحالقة  )  أي الخصلة التي شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر أو المراد المزيلة لمن وقع فيها لما يترتب عليه من الفساد والضغائن وذلك لما فيه من عموم المنافع الدينية والدنيوية من التعاون والتناصر والألفة والاجتماع على الخير حتى أبيح فيه الكذب وكثرة ما يندفع من المضرة في الدنيا والدين بتشتت القلوب ووهن الأديان من العداوات وتسليط الأعداء وشماتة الحساد فلذلك صارت أفضل الصدقات  . 

 

التحلي بفضيـلة الرفـق

مسألة : ما هو فضل الرفق في القول ؟

إن الرفق من أفضل ما يتحلى به الإنسان فإنه من يحرم الرفق يحرم الخير ، وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزعُ من شيء إلا شانه .

(حديث  جرير ابن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي r قال : من يُحرمُ الرفقُ يُحرمُ الخير .

(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزَعُ من شيء إلا شانه .

(حديث عائشة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : إن الله رفيقٌ يحب الرفق ويعطي على الرفيق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه .

(حديث عائشة في الصحيحين) قالت : إن اليهود لما أتوا النبي r فقالوا السامُ عليك فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : السامُ عليكم ولعنكم وغضب عليكم ، فقال رسول الله r م هلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف _أو الفحش _ قالت أولم تسمع ما قالوا ؟ قال : أو لم تسمعي ما قلت ، رددتُ عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجابُ لهم في .

{تنبيه} : معنى قوله r ( ولا يستجاب لهم في ) أن الله تعالى لا يستجيب دعاء الكفار على النبي r وهذا نظير قوله تعالى: (وَمَا دُعَآءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ) ( الرعد / 14)

 

 

 

إن فضيلة التواضع من أفضل الصفات التي يجبُ على طالب العلم أن يتحلى بها لما فيها من الفضل العظيم والتأسي بالنبي r الذي هو سيد البشر أجمعين ، والتواضع يزيد الحكمة بنص السنة الصحيحة ، وكفى بذلك فضلاً فإنه من يؤتى الحكمة فقد أُوتيَ خيراً كثيراً ، والكتاب والسنة طافحان بما يحث على التواضع وخفض الجناح وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في ذلك .

قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سورة: الشعراء - الآية: 215]

وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [سورة: المائدة - الآية: 54]

(حديث عِياضِ بن حمار في صحيح مسلم) أن النبي r قال : إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد

(حديث أبي هريرة  في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله  . ‌

(حديث أنس في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال : كان النبي r يفعله .

(حديث الأسود بن يزيد في صحيح البخاري) قال سُئلت عائشةُ رضي الله تعالى عنها ما كان يصنع النبي r في بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي r قال : ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم ، قال أصحابه وأنت ؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط  َ لأهل مكة. ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي r قال : لو دُعِيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٍ أو كُرَاعٍ لقبلت             . ‌

(حديث أنس في صحيح البخاري) قال : كانت ناقةٌ لرسول الله r  تسمى العضباء وكانت لا تُسبق ، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين فقالوا : سُبقت العضباء ! قال رسول الله r : إن حقا على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه  . 

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد مَلك فإذا تواضع قيل للمَلك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك  :  دَعْ حكمته  . ‌

 

 

 

من الفضائل التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها خلق الحياء فإنه من أفضلِ الصفات وأجلَّ القربات ، فالحياءُ لا يأتي إلا بخير ، والحياء قرين الإيمان فإذا نزع أحدهما نزع الآخر 

(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي r مرَّ على رجلٍ وهو يعظُ أخاه في الحياء فقال رسول الله r دَعْه فإن الحياء من الإيمان .

(حديث عمران ابن حصين في الصحيحين) أن النبي r قال : الحياءُ لا يأتي إلا بخير .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال الإيمان بضع و سبعون شعبة فأفضلها قول  :  لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من الإيمان  . ‌

(حديث أبي سعيد في الصحيحين) قال :  كان رسول الله r  أشد حياء من العذراء في خدرها  فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه .

(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في صحيح البخاري) أن النبي r قال : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى  :  إذا لم تستح فاصنع ما شئت  . ‌

(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إن الحياء و الإيمان قرنا جميعا فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر  . ‌

{ تنبيه} : الحياءُ خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح ، وأفضلُ الحياء أن تستحي من الله

(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : استحيوا من الله تعالى حق الحياء ، قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله ، قال : ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس و ما وعى والبطن و ما حوى وتذكر الموت و البِلى  و من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء  . ‌

 

 

من الصفات التي يجب على المسلم أن يتحلى بها إذا أراد أن يتأسى بالنبي r فضيلة الجود والسخاء والإنفاق في سبيل الله تعالى ، فقد كان النبي r جودُه متتابع وكرمه فياض وكان r أجود بالخير من الريح المرسلة ، وكان جوده يعم كل من يقابله ، وكان r لا يرد سائلاً .

والكتاب والسنة الصحيحة طافحان بما يحث على الجود والسخاء والإنفاق في سبيل الله تعالى

وإليك بعض ما ورد في ذلك فارعها سمعك وفكرك واجعل لها في سمعك مسمعاً وفي قلبك موقعاً عسى الله أن ينفعك بها ويوفقك إلى تطبيقها .  

قال تعالى: (وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ) [سورة: سبأ - الآية: 39]

و قال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) [سورة: البقرة - الآية: 272]

(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي r قال : لا حسد إلا في اثنتين  :  رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق و رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها و يُعَلِمُها        

(حديث عدي ابن حاتم في الصحيحين) أن النبي r قال : اتق النارَ ولو بشقِ تمرة .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : قال الله تعالى [أنفق يا ابن آدم أُنفق عليك]

 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما  :  اللهم أعط منفقاً خَلَفَاً و يقول الآخر  :  اللهم أعط مُمْسِكَاً تَلَفّا  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) ) أن النبي r قال : أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً .

(حديث عبد الله ابن عمرو في الصحيحين) أن رجلاً سأل رسول الله r أي الإسلامُ خير ؟ قال : تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف .

 

(حديث أبي هريرة  في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله  . ‌

(حديث أبي كبشة الأنماري في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال :  إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ

 رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ  الْمَنَازِلِ عند الله  وَرجلٍ  رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ

 يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ

 سَوَاءٌ ،  وَرجلٍ  رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ

 رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو  بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله  وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ

 مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ

(حديث عبد الله ابن الشخير في صحيح مسلم ) أنه انتهي إلى النبي r وهو يقرأ  (أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ) قال : قال يقول بن آدم مالي مالي . وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما  تصدقت فأمضيت أو  أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت.

(حديث  أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال  من تصدق بعدل تمرةٍ من كسب طيب و لا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يُرَبِيها له  كما يربي أحدكم فَلَوَّه حتى تكون مثل الجبل  . ‌

الفَلُّو : المهر وهو صغير الحصان ، واختير في التشبيه لأنه يزيد زيادةً بينة بسرعة .

(حديث ابن عباس في الصحيحين) قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه  جبريل ،و كان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيُدارسه القران فلرسول الله r  أجود بالخير من الريح المرسلة

 

{تنبيه} : السرُّ في تشبيه جود النبي r بالريح المرسلة أن الريح المرسلة تعم كل من يقابلها ، وهكذا كان جود النبي r كان يَعُمُ من يقابله .

 

 

 

يجب على المسلم أن يتحلى بفضيلة الإيثار لما فيه من الفضل العظيم والأجر الجسيم ، فالإيثار يظهر معدن الأخيار

قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة: الحشر - الآية: 9]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في قوله تعالى :" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " الإيثار : هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية ، ورغبة في الحظوظ الدينية . وذلك ينشأ عن قوة اليقين ، وتوكيد المحبة ، والصبر على المشقة . يقال : آثرته بكذا ، أي خصصته به وفضلته . .

قوله تعالى : " ولو كان بهم خصاصة " الخصاصة : الحاجة التي تختل بها الحال . واصلها من الاختصاص وهو انفراد بالأمر. فالخصاصة الانفراد بالحاجة ، أي لو كان بهم فاقة وحاجة .

" .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني مجهود .فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء . ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال:من يضيف هذا الليلة رحمة الله .؟ فقام رجل من الأنصار فقال :أنا يا رسول الله . فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته : هل عندك شيء ؟ فقالت :لا ، إلا قوت صبياني .قال :فعليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل ،فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه قال : فقعدوا وأكل الضيف .فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قد عجب الله عز وجل من صنيعكم . "

 

 

 

 

من الفضائل التي يجب على المسلم أن يتحلى بها فضيلة المواساة في السَنَةِ والمجاعة فإنها من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات لما فيها من تفريج الكربات .  

(حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي r قال :  إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جعلوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني و أنا منهم  .

*معنى أرملوا : أي فرغ زادهم أو قارب الفراغ .

(حديث أبي سعيد في صحيح مسلم ) أن النبي r قال :من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له و من كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحدٍ منا في فضل .

(حديث محمد بن المنكدر في صحيح الجامع)  ‌ أن النبي r قال : من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة  . ‌

 

 

ومن الفضائل التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها إقراض القروض والتجاوز عن المعسر لما فيهما من تنفيس الكروب وتفريج الهموم .

(حديث ابن مسعود في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة  . ‌

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : كان رجل يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لفتيانه :  تجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا الله فتجاوز الله  عنه   . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : من يسرَّ على مسلمٍ يسرَّ الله عليه في الدنيا والآخرة .

(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله  . ‌

 

 

ومن الفضائل التي يجب على المسلم أن يتحلى بها إيثار الخمول وعدم الشهرة لأن هذا أخلصُ للنية وأنقى للعمل وأبرأ للقصد  وأسلم للنفس والسلامة لا يعدلها شيء .

قال الحسن رحمه الله تعالى : كنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها ، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه ، فلما خرج قال لي : ما العيش إلا هكذا ، يعني حيث لم نُعرف ولم نُوَقَّر .

{تنبيه} : وملاك إيثار الخمول وعدم الشهرة العمل في خفاء فإنه الترجمة الفعلية لإيثار الخمول وعدم الشهرة ، والعمل في خفاء من الأمور التي كان النبي  r يوصي بها أصحابه

(حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم ) أن النبي r قال :  إن الله يحب العبد التقي النقي .

(حديث الزبير في صحيح الجامع أن النبي r قال :من استطاع منكم أن يكون له خبءٌ من عمل صالح فليفعل  . ‌

 (  أن يكون له خبء  )  أي شيء مخبوء أي مدخر  (  من عمل صالح فليفعل  )  أي من قدر منكم أن يمحو ذنوبه بفعل الأعمال الصالحة فليفعل ذلك

(حديث معاذ في صحيح الجامع) أن النبي r قال : استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود  . ‌

 (  (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان  )  بالكسر أي كونوا لها كاتمين عن الناس واستعينوا بالله على الظفر بها ثم علل طلب الكتمان لها بقوله  (  فإن كل ذي نعمة محسود)

كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يوصي أصحابه قائلاً : كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سُرج الليل ، جددَ القلوب خُلقان الثياب ، تُعرَفون في السماء وتُخْفون على أهل الأرض .  

وقال ابن المبارك رخمه الله تعالى : إن الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به أحد .

وقال أيضاً : لقد أدركنا أقواماً ما من عمل يقدرون أن يعملوه في سرٍ فيكون علانيةً أبدا .

 

 

ومن الصفات التي يجب على المسلم أن يتحلى بها إذا أراد النجاة التحلي بمجاهدة النفس والهوى فإنها السبب العظيم للفوز بالهداية في الدنيا ، والهداية هي أنفع شيء في هذه الحياة

قال تعالى: (وَالّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة: العنكبوت - الآية: 69]

قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما :

قوله تعالى: [وَالّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا ]  :  والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا.

 ثم إن مجاهدة النفس أفضل الجهاد بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي ذرٍ في صحيح الجامع) أن النبي r قال : أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه و هواه  . ‌

*(أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه  )  بأن يكفهما عن الشهوات ويمنعهما عن الاسترسال في اللذات ويلزمهما فعل الأوامر وتجنب المناهي فإنه الجهاد الأكبر   . ‌

{تنبيه} : وإذا واظب الإنسان على مجاهدة نفسه وهواه واستقام على ذلك فإنه يصلُ إلى ما يصبو إليه من إصلاح نفسه بشيئين

أحدهما :  ترويض النفس على الخير ، فإن النفس إذا روضتها على الخير اكتسبت هذا الخلق وصار من صفاتها فإنه من يتحر الخير يعطه بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يوقه  . ‌

  • ·        (  ومن يتحر الخير يعطه  )  أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه

والثاني الصدق : فإن الله تعالى إذا اطَّلع على قلبك ورأى منك الصدق أوصلك إلى ما تصبو إليه .

(حديث شداد بن الهادي في صحيح النسائي)  أن النبي r قال : إن تصدق الله يصدقك  .

 

من أفضل الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلم فضيلة بر الوالدين فإنها من أعظم

 

الصفات وأجل القربات وذلك لأن الوالدين حقهما عظيم  ولأدل على ذلك أن الله تعالى قرن حقهما بحقه وقرن شكرهما بشكره  في كتابه الكريم

قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) [سورة: النساء - الآية: 36]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره

قوله تعالى " وبالوالدين إحسانا " ً قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان فقال تعالى :" أن اشكر لي ولوالديك " [ لقمان: 14]

و قال تعالى: (وَقَضَىَ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) [سورة: الإسراء - الآية: 23]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :

أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده ، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك ، كما قرن شكرهما بشكره فقال : (وَقَضَىَ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) [سورة: الإسراء - الآية: 23]

 وقال تعالى: (وَوَصّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّهُ وَهْناً عَلَىَ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيّ الْمَصِيرُ) [سورة: لقمان - الآية: 14]

والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يدل على فضل بر الوالدين وعِظَمِ حقهما منها ما يلي :

(حديث ابن مسعود في الصحيحين )  قال : سألت النبي  r أي العمل أحب إلى الله عز وجل ؟ قال : الصلاة على وقتها قال : ثم أي ؟ قال ثم بر الوالدين قال ثم أي ؟ قال الجهاد في سبيل الله .

الشاهد : أن النبي  r أخبر أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام . ورتب ذلك بـ ثم التي تعطي الترتيب والمهلة .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين)   قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال أمك قال : ثم من ؟ قال : أبوك  .

الشاهد : هذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب ، لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط . وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان . وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب ، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب . وهذا الحديث يدل على  أن الأم  لها ثلاثة أرباع البر

(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين ) قال : جاء رجل إلى النبي  r يستأذنه في الجهاد فقال : أحي والداك ؟ قال نعم : قال : ففيهما فجاهد .

قال ابن المنذر : في هذا الحديث النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير ، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع .  لقوله r فإذا استنفرتم فانفروا

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال :رغم أنفه ثم رغم أنفه  ثم رغم أنفه   قيل ومن يا رسول الله ؟ قال : من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة .

(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داود والترمذي) قال : كانت تحتي امرأة وكنت أُحبُّها ، وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت ، فأتى عمرُ النبي  r  فذكر ذلك له فقال النبي  r طلقها .

(حديث أبي الدرداء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن رجلاً أتاه فقال : إن لي امرأةً وإن أمي تأمرني بطلاقها فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله r يقول : الوالد أوسط أبواب الجنة  فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه . ‌ 

  • ·        (  الوالد أوسط أبواب الجنة  )  أي طاعته وعدم عقوقه مؤد إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها ذكره العراقي  .  وقال البيضاوي  :  أي خير الأبواب وأعلاها والمعنى أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوصل به إلى الوصول إليها مطاوعة الوالد ورعاية جانبه

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح الترمذي)  أن النبي r قال : رضا الرب في رضا الوالد و سخط الرب في سخط الوالد  . ‌

 

  • ·        (  رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد  )  لأنه تعالى أمر أن يُطاع الأب ويُكرم فمن امتثل أمر الله فقد برَّ اللّه وأكرمه وعظمه فرضي عنه ومن خالف أمره غضب عليه وهذا ما لم يشهد شاهد أبوة الدين بأن الوالد فيما يرومه خارج عن سبيل المتقين وإلا فرضي الرب في هذه الحالة في مخالفته وهذا وعيد شديد يفيد أن العقوق كبيرة وقد تظاهرت على ذلك النصوص. 

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال :لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه  . ‌

 ( لا يجزي  ولدٌ والداً  )  وفي رواية والده أي لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقه والأم مثله بطريق أولى

(  إلا أن  يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه  )  أي يخلصه من الرق بسبب  شراءه ، لأن الرقيق كالمعدوم لاستحقاق غيره منافعه ونقصه عن المناصب الشريفة فتسببه في عتقه المخلص له من ذلك كأنه أوجده كما أن الأب سبب في إيجاده فهو تسبب في إيجاد معنوي في مقابلة الإيجاد الصوري .

*ثبت في صحيح الأدب المفرد أن رجلاً يماني كان يطوف بالبيت وحمل أمَّه وراء ظهره ويقول :

إني لها بَعِيـــــْرُها المُذَلَلْ

 

إنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُها لم أُذْعَرْ

ثم قال : يا ابن عمر أتراني جزيتها ؟ قال ولا بزفرةٍ من زفراتها .

*معنى ركابها : أي بعيرها

معنى ولا بزفرةٍ من زفراتها : الزفرة تردد النفس حتى تختلف الأضلاع ، وهذا يعرض للمرأة عند الوضع .

*وثبت في صحيح الأدب المفرد أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه أبصر رجلين فقال لأحدهما : ما هذا منك ؟ فقال : أبي . ، فقال : لا تُسَمِّه باسمه ولا تمشِ أمامه ولا تجلس قبله .

مسألة : هل يجوز بر الوالدين إن كانا مشركيْن ؟

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى ضمن تفسيره لقوله تعالى في آية الإسراء   (وَقَضَىَ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) [سورة: الإسراء - الآية: 23]

لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين ، بل إن كانا كفرين يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد ، قال الله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم . ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث أسماء الأتي الثابت في الصحيحين

(حديث أسماء في الصحيحين) قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد رسول الله  r فاستفتيت النبي r فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ قال : نعم صلي أمك ".

*معنى وهي راغبة : أي طامعةٌ عندي تسألني شيئاً .

 

مسألة : كيف يبر الإنسان والديه بعد موتهما ؟

يبر الإنسان والديه بعد موتهما بالدعاء لهما وصلة وُدهما

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له  . ‌

 

الشاهد :  (  إذا مات الإنسان انقطع عمله  )  أي فائدة عمله وتجديد ثوابه يعني لا تصل إليه فائدة شيء من عمله كصلاة وحج

 (  إلا من ثلاث  ) فذكر من بينها (  أو ولد صالح  يدعو له  )  لأنه هو السبب لوجوده وصلاحه وإرشاده إلى الهدى وفائدة تقييده بالولد مع أن دعاء غيره ينفعه تحريض الولد على الدعاء للوالد وهي من أهم مظاهر البر للوالدين بعد متهما .

(حديث ابن عمر في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : إن أبر البر أن يصل الرجل وُدَّ أبيه .

 (  إن أبر  البر  )  المراد إن أفضل البر فأفعل التفضيل للزيادة المطلقة

  (  أن يصل الرجل ودّ أبيه  )  بضم الواو بمعنى المودة ، قال الحافظ العراقي رحمه اللّه  :  جعله أبر البر أو من أبره لأن الوفاء بحقوق الوالدين والأصحاب بعد موتهم أبلغ لأن الحي يجامل والميت لا يستحي منه ولا يجامل إلا بحسن العهد ويحتمل أن أصدقاء الأب كانوا مكيفين في حياته بإحسانه وانقطع بموته فأمر بنيه أن يقوموا مقامه فيه وإنما كان هذا أبر البر لاقتضائه الترحم والثناء على أبيه فيصل لروحه راحة بعد زوال المشاهدة المستوجبة للحياة وذلك أشد من بره له في حياته  

{تنبيه } : إذا عرفت فضل بر الوالدين نقول لك تأسياً بالنبي r  عرفت فالزم ، كما يجب علينا أيضاً أن نحذرك   من الاقتراب من عقوق الوالدين  فإنه داءٌ وبيل وشرٌ مستطير ، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب ،  بل هو الهلكة بعينها وكفي به إثماً أن يعدّه النبي r  من أكبر الكبائر . 

قال تعالى: (وَقَضَىَ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) [سورة: الإسراء - الآية: 23]

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره في قوله تعالى

 

 

( إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا)  خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر ،

 (فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ): فلا تقل لهما أف . أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم .

قال علماؤنا : وإنما صارت قوله أف للأبوين أردأ شيء لأنه رفضهما رفض كفر النعمة ، وجحد التربية ورد الوصية التي أوصاه في التنزيل . و أف كلمة مقولة لكل شيء مرفوض ، ولذلك قال إبراهيم لقومه : أف لكم ولما تعبدون من دون الله . أي رفض لكم ولهذه الأصنام معكم .

( وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) : ولا تنهرهما : النهر : الزجر والغلظة

( وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) وقل لهما قولا كريما أي لينا لطيفا ، مثل : يا أبتاه ويا أماه ، من غير ان يسميهما ويكنيهما ، قاله عطاء . وقال أبو الهداج التجيبي : قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قول : وقل لهما قولا كريما ما هذا القول الكريم ؟ قال ابن المسيب : قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ .

(حديث أبي بكرة في الصحيحين ) أن النبي r قال :  ألا أنبئكم بأكبر الكبائر  ؟  قالوا بلى يا رسول الله ، قال الإشراك بالله و عقوق الوالدين  ، وكان متكئاً فجلس فقال  ألا و قول الزور وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت .

(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أن النبي r قال :  إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه  :  يلعن أبا الرجل فيلعن أباه و يلعن أمه فيلعن أمه  . ‌

(حديث أنس في صحيح الجامع)  أن النبي r قال :بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا  :  البغي و العقوق  . ‌

الشاهد :

قوله r  (  بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا  )  أي قبل موت فاعليها

 (  البغي  )  أي مجاوزة الحد والظلم

 (  والعقوق  )  للوالدين وإن عليا أو أحدهما أي إيذاؤهما ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع   . 

 

من أفضل الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلم فضيلة صلة الرحم  فإنها من أعظم الصفات وأجل القربات ، يحصل بها البركة في العمر والزيادة في الرزق ، وهي من أسباب كسب رضا الله تعالى .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم  قامت الرحم فقالت  :  هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال  :  نعم أما تَرْضَيْنَ أن أصلَ من وصلك و أقطع من قطعك  ؟  قالت  :  بلى يا رب قال  :  فذلك لك   ثم قال رسول الله r       اقرؤوا إن شئتم  (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ) [سورة: محمد - الآية: 22]  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي r قال : الرحم شجنة من الرحمن قال الله  :  من وصلك وصلته و من قطعك قطعته  . ‌

  •  *(  الرحم شجنة من الرحمن  )  أي اشتق اسمها من اسم الرحمن  فكأنها مشتبكة به اشتباك العروق أو هي اسم اشتق من رحمة الرحمن أو أثر من آثار رحمته فقاطعها منقطع عن رحمة اللّه
  • ·         (  قال اللّه من وصلك وصلته  )  أي رحمه  

(  ومن قطعك قطعته  )  أي أعرضت عنه لإعراضه عما أمر به من شدة اعتنائه برحمه وهذا تحذير شديد من قطعها والمراد بها القرابة من الأبوين وإن بعدت ولم تكن محرماً  

(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي r قال : من سَرَّه أن يُبْسَطَ له في  رزقه و أن يُنْسأُ له في أثره  ه فليصل رحمه  . ‌

{تنبيه} : معنى قوله r[ يُنْسأُ له في أثره] : أي يزيد له في عمره ، والمقصود بالزيادة في العمر هنا البركة فيه بمعنى أنك تجد الإنسان يُحَصِّلُ الخير الكثير والعلم الوفير في العمر القصير ، وليس المقصود بها الزيادة الحقيقية فإن الله تعالى يقول (وَلِكُلّ أُمّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [سورة: الأعراف - الآية: 34] 

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية

قوله تعالى:[ولكل أمة أجل] أي وقت مؤقت.

 [فإذا جاء أجلهم] أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل.

["لا يستأخرون عنه ساعة] ولا أقل من ساعة، إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات، وهي ظرف زمان.

[ولا يستقدمون] فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله.

فإن قيل: فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون منه؟. قيل له: نقتله لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه، لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله. ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص لأدى ذلك إلى الفساد ودمار العباد. وهذا واضح.

مسألة : ما معنى صلة الرحم ؟

الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها  بنص السنة الصحيحة

 (حديث ابن عمر في صحيح البخاري ) أن النبي r قال :   ليس الواصل بالمكافئ و لكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها  . ‌

الشاهد من الحديث :

(ليس الواصل  بالمكافئ  )  أي المجازي غيره بمثل فعله إن صلة فصلة وإن قطعا فقطع

(  ولكن  الواصل  الذي إذا قطعت  رحمه  وصلها  )  يعني وصل قريبه الذي قاطعه، و نبه به على أن من كافأ من أحسن إليه لا يعد واصلاً للرحم وإنما الواصل الذي يقطعه قريبه فيواصل هو وهذا إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك . 

وقد ثبت في السنة الصحيحة فضل من أحسن إلى قرابته رغم إساءتهم إليه ، وصلته لهم رغم قطيعتهم له

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم)  أن رجلا قال  يا رسول الله إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني وأُحسنُ إليهم ويُسيئون إلي وأحلُمُ عنهم ويجهلون علي فقال  r  لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك

 الشاهد من الحديث :

 قوله r [لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ]

ومعنى الملَّ : الرماد الحار

ومعنى [تُسِفُّهمُ المَلَّ] : أي تطعمهم الرماد الحار ، والمقصود أنك منصورٌ عليهم وتنقطع حجتهم كما ينقطع كلام من سَفَّ الرماد الحار .

مسألة : ما هي مراتب صلة الرحم ؟

بين النبي r أن صلة الرحم ترتب الأقرب فالأقرب

(حديث معاوية في صحيحي أبي داود والترمذي)    قال : قلت يا رسول الله من أبر؟ r قال :أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب  . ‌

الشاهد من الحديث :

  قوله  r[ أمك   ثم أمك ثم أمك  ،  ثم  أباك  ) : وهذا واضح لأن الأم لها ثلاثة أرباع البر

 [  ثم  الأقرب   فالأقرب  ]   فتقدم الأب فالأولاد فالأخوة والأخوات فالمحارم من ذوي الأرحام كالأعمام والعمات .

(حديث البراء في الصحيحين ) أن النبي r قال :الخالة بمنزلة الأم  . ‌

(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي r قال : ابن أخت القوم من أنفسهم .

{تنبيه} : إذا تبين لك فضل صلة الرحم نقول لك تأسياً بالنبي r عرفت فالزم  ، ثم  نحذرك من قطيعة الرحم فإنه من قبائح الذنوب وفواحش العيوب وهي من الإفساد في الأرض بنص القرآن

قال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ) [سورة: محمد - الآية: 22]  . ‌

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره

 

الأولى : قوله تعالى : " فهل عسيتم إن توليتم " اختلف في معنى ( إن توليتم ) فقيل : هو من الولاية ، قال أبو العالية : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا ، وقال الكلبي : أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم ، وقال ابن جريج : المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام ، وقال كعب : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضاً ، وقيل : من الإعراض عن الشيء ، قال قتادة : أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام ، وتقطعوا أرحامكم ، وقيل : ( فهل عسيتم ) أي فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعدوا إلى جاهليتكم .

(حديث جُبَيْر بن مطعم في الصحيحين) أن النبي r قال : أن النبي r قال :لا يدخل الجنة قاطع  . ‌

الشاهد من الحديث :

[لا يدخل الجنة قاطع ]  أي قاطع رحم كما جاء مبيناً هكذا في مسلم ، والمراد لا يدخل الجنة التي أعدت لوصال الأرحام أو لا يدخلها مع اتصافه بذلك بل يصفي من خبث القطيعة إما بالتعذيب أو بالعفو .

 

 من الفضائل التي يجب على المسلم التحلي بها إذا أراد التأسي بالنبي r فضيلة الإحسان إلي الجار وعدم إيذائه ، فإنها من أجل القربات وأفضل الطاعات ، ثم هي وصية الله تعالى ووصية نبيه r

قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) [سورة: النساء - الآية: 36]

الشاهد من الآية :

قوله تعالى [وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ]

 قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :

:قوله تعالى :" والجار ذي القربى والجار الجنب " أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه . ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى :" والجار ذي القربى" أي القريب " والجار الجنب " أي الغريب،

وقال أيضاً رحمه الله تعالى : الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة حق الإسلام والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار"

والسنة الصحيحة طافحة بالحثِ  على الإحسان إلى الجار وتجنب إيذائه منها ما يلي :

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره ، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه ،  و ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: يا رسول الله ومن ؟ قال : الذي لا يأمن جارة بوائقة "

{تنبيه} : معنى لا يؤمن هنا : وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

  (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه  )  أي دواهيه جمع بائقة الداهية ،  وذلك لأنه إذا كان مضراً لجاره كان كاشفاً لعورته حريصاً على إنزال البوائق به دل حاله على فساد عقيدته ونفاق طويته أو على امتهانه ما عظم اللّه حرمته وأكد وصلته فإصراره على هذه الكبيرة مظنة حلول الكفر به فإن المعاصي بريده ومن ختم له بالكفر لا يدخلها أو هو في المستحل أو المراد الجنة المعدة لمن قام بحق جاره  . 

 

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِثُه

 

*ومن إكرام الجار تعاهده بالهدايا ولو بالشيء القليل

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : يا نساء المسلمات  !  لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة  . ‌

*معنى فرسن شاة : الفِرسن للشاة كالقدم للإنسان ، وفي الحديث دليل واضح جَلِيٌ على تعاهد الجار بالهدايا ولو بالشيء القليل فلا تحقرن من المعروف شيئاً .

(حديث أبي ذر في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  يا أبا ذر  !  إذا طبخت مرقةً فأكثِرْ ماءها و تعاهد جيرانك  . ‌

قال القرطبي رحمه الله تعالى : حض عليه السلام على مكارم الأخلاق، لما يترتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة فإن الجار قد يتأذى بقتار قدر جاره، وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعائفهم الشهوة، ويعظم على القائم عليه الألم والكلفة، لا سيما إن كان القائم ضعيفاً أو أرملة فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يدفع إليهم ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب بالهدية، لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب أن يشارك فيه وأيضاً فإنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من حاجة في أوقات الغفلة والغرة فلذلك بدأ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب والله أعلم

(حديث عائشة في صحيح البخاري) قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال : إلى أقربهما منك باباً"

يدل هذا الحديث على تقديم حق الجار القريب عن البعيد امتثالاً لقولة تعالى[وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ]

*ومن إكرام الجار ألا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره " ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم .

  • ·        ومن إكرام الجار أن يتفقد حاله فقد يكون جائعاً وأنت لا تدري

(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي r قال : ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم به  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

  [ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ]  المراد نفي الإيمان الكامل وذلك لأنه يدل على قسوة قلبه وكثرة شحه وسقوط مروءته وعظيم لؤمه وخبث طويته . ‌

 من الفضائل التي يجب على المسلم التحلي بها إذا أراد التأسي بالنبي r فضيلة إكرام الضيف  ، فإنها من أجل القربات وأفضل الطاعات ، وقد تضمن القرآن الكريم صفوة الآداب في إكرام الضيف منها مايلي

قال تعالى: (وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَىَ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) [سورة: هود - الآية: 69]

الشاهد : قوله تعالى [فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره : 

قوله تعالى: [ فما لبث أن جاء ]  التقدير: فما لبث عن أن جاء، أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل

[بِعِجْلٍ حَنِيذٍ]  أي  مشوي. ، وقال رحمه الله تعالى : في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة، ولا يتكلف ما يضر به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وإبراهيم أول من أضاف الضيف . 

والسنة  الصحيحة طافحة بالحث على إكرام الضيف ، منها ما يلي :

. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره ، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه ،  و ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت .

(حديث أبي شريح في الصحيحين) أن النبي r قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته  يومٌ وليلة،  والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن يثوِي عنده  حتى يُحْرِجه  .

*معنى يثوي : أي يقيم ، والمقصود أنه لا يحلُ للضيف أن يقيم عند المضيف حتى يحرجه أي حتى  يضيق عليه .

{تنبيه} : وليس من السنة التكلف للضيف فإن هذا مما نهى النبي r عنه

(حديث سلمان في صحيح الجامع) قال : نهى النبي r  عن التكلف للضيف  .

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

(نهى عن التكلف للضيف  )  أي أن يتكلف المضيف له ضيافة فوق ما يليق بالحال لما فيه من الإضرار بل لا يمسك موجوداً ولا يتكلف مفقوداً ولا يزيد على عادته .

 

 

 

ومن أهم الآداب التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها التحلي بآداب الصحبة والأخوة و معاشرة الخلق حتى يألف الناس ويألفوه فإن 0 المؤمن يألف و يؤلف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف. ‌

 

(حديث جابر في صحيح الجامع) أن النبي r قال : المؤمن يألف و يؤلف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف و خير الناس أنفعهم للناس  . ‌

 

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 [المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس ]  قال الماوردي  :  بين به أن الإنسان لا يصلح حاله إلا الألفة الجامعة فإنه مقصود بالأذية محسود بالنعمة فإذا لم يكن ألفاً مألوفاً تختطفه أيدي حاسديه وتحكم فيه أهواء أعاديه فلم تسلم له نعمة ولم تصف له مدة وإذا كان ألفاً مألوفاً انتصر بالألف على أعاديه وامتنع بهم من حساده فسلمت نعمته منهم وصفت مودته بينهم .

وهاك بعض الآداب :

  إن اختيار الصحبة الصالحة من الآداب التي يجب على المسلم أن يعتني بها اهتماماً بالغاً لأن الطباع سَرَّاقة والناس مجبولون على تقليد بعضهم البعض ، فالمرء على دين خليله

(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل .

 (حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 [لا تصاحب إلا مؤمناً  ] :   وكامل الإيمان أولى لأن الطباع سراقة  ،  ومن ثم قيل صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً  ،  وإذا مرت على الطيب حملت طيباً  

[  ولا يأكل طعامك إلا تقي ] :   لأن المطاعمة توجب الألفة وتؤدي إلى الخلطة بل هي أوثق عرى المداخلة ومخالطة غير التقي يخل بالدين ويوقع في الشبه والمحظورات فكأنه ينهى عن مخالطة الفجار إذ لا تخلو عن فساد إما بمتابعة في فعل أو مسامحة في إغضاء عن منكر فإن سلم من ذلك ولا يكاد فلا تخطئه فتنة الغير به وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان لأن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم أطعم المشركين وأعطى المؤلفة المئين بل يطعمه ولا يخالطه  .

قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه :

عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينةٌ في الرخاء وعدةٌ في البلاء ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقيلك منه ، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من يخشى الله ، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى .

قال الإمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى في مختصر منهاج القاصدين :

ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمسُ خصال :

1)                 العقل : فهو رأس مال ، ولا خير في صحبة الأحمق لأنه يريد أن ينفعك فيضرك .

2)                 حسن الخلق : فلا بد منه إذ رُبَّ عاقلٍ يغلبه غضبه أو شهوة فيطيع هواه فلا خير في صحبته .

3)                 غير فاسق : لأن الفاسق لا يخاف الله ، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق به ، ومن خان أولَ منعم ٍ لا يفي لك أبداً

4)                 غير مبتدع : لأن المبتدع يُخافُ من صحبته لأن في صحبتك له الشر كله إما سراية البدعة أو عدم الإنكار عليه أو تتعلم من بدعته فيحصل لك انتكاسة . 

5)غير حريصٍ على الدنيا لأن الحرص على المال يفسد الدين بقدر أكبر من الفساد الحاصل من إرسال ذئبين جائعين على غنم ، أي يفسد فساداً بيناً بلا روية

(حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي)  أن النبي r قال : ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه  . ‌

مقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً  للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً   ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً  .

(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي r قال :  مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل  المسك و نافخ الكير ، فحامل  المسك  إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما  تجد منه ريحا طيبة ،   ونافخ الكير إما أن  يحرق  ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة  . ‌

 .  قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

بين به النهي عن مجالسة من يتأذى به ديناً أو دنيا والترغيب فيمن ينتفع بمجالسته فيهما وجواز بيع المسك وطهارته  . 

قال الراغب  :  نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيراً كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريراً قال الحكماء  :  من صحب خيراً أصاب بركته فجليس أولياء اللّه لا يشقى وإن كان كلباً ككلب أهل الكهف ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء  ،  قال علي كرم اللّه وجهه  :  لا تصحب الفاجر فإنه يزين لك فعله ويود لو أنك مثله  ،  وقالوا  :  إياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري وليس إعداء الجليس جليسة بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه فإن من دامت رؤيته للمسرور سر أو للمحزون حزن وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات فالحمل الصعب يصير ذلولاً بمقاربة الجمل الذلول والذلول قد ينقلب صعباً بمقارنة الصعاب والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الذابلة ولهذا يلتقط أهل الفلاحة الرمم عن الزرع لئلا تفسدها ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة فما الظن بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها؟ فقد قيل سمي الإنس لأنه يأنس بما يراه خيراً أو شراً  . ‌

 

 من أهم الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن يعيش بين إخوانه بالمودة والرحمة 

حتى يصيروا معاً كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى

   (حديث النعمان بن بشير في الصحيحين) أن النبي r قال : مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى  . ‌

 

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

   (  مثل المؤمنين  )  الكاملين في الإيمان

 (  في توادهم  )  أي تحاب

(  وتراحمهم  )  أي تلاطفهم

 (  وتعاطفهم  )  قال ابن أبي جمرة  :  الثلاثة وإن تفاوت معناها بينها فرق لطيف فالمراد بالتراحم أن يرحم بعضهم بعضاً لحلاوة الإيمان لا لشيء آخر وبالتواد التواصل الجالب للمحبة كالتهادي وبالتعاطف إعانة بعضهم بعضاً

 (  مثل الجسد الواحد  )  بالنسبة لجميع أعضائه  ،  وجه الشبه فيه التوافق في التعب والراحة  (  إذا اشتكى   منه عضو  )  أي مرض

 ( تداعى له سائر الجسد  ) يعني دعا بعضهم بعضاً إلى المشاركة في الألم

  (  بالسهر  )  بفتح الهاء ترك النوم لأن الألم يمنع النوم

 (  والحمى  )  لأن فقد النوم يثيرها والحمى حرارة  غريبة تشتعل في القلب فتنبث به في جميع البدن ثم لفظ الحديث خبر ومعناه أمر أي كما أن الرجل إذا تألم بعض جسده سرى ذلك الألم إلى جميع جسده فكذا المؤمنون ليكونوا كنفس واحدة إذا أصاب أحدهم مصيبة يغتم جميعهم ويقصدوا إزالتها  .

  (حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي r قال : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

  (المؤمن للمؤمن كالبنيان  )  أي الحائط لا يتقوى في أمر دينه ودنياه إلا بمعرفة أخيه كما أن بعض البنيان يقوى ببعضه  

 (  يشد بعضه بعضاً  )  بيان لوجه التشبيه وبعضاً منصوب بنزع الخافض أو مفعول يشد وتتمته كما في البخاري ثم شبك بين أصابعه أي يشد بعضهم بعضاً مثل هذا الشد فوقع التشبيك تشبيهاً لتعاضد المؤمنين بعضهم ببعض كما أن البنيان الممسك بعضه ببعض يشد بعضه بعضا وذلك لأن أقواهم لهم ركن وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي،  وفيه تفضيل الاجتماع على الانفراد ومدح الاتصال على الانفصال فإن البنيان إذا تفاصل بطل وإذا اتصل ثبت الانتفاع به بكل ما يراد منه  .

مسألة : ما هي الأمور التي تجلب المحبة في قلوب العباد : 

الأمور التي تجلب المحبة في قلوب العباد هي ما يلي :

1)                 الإيمان والعمل الصالح : قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَـَنُ وُدّاً) [سورة: مريم - الآية: 96]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره : 

قوله تعالى [ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ] :  أي حباً في قلوب عباده.

  (حديث أبي هريرة الأشعري في الصحيحين) أن النبي r قال :إذا أحب الله عبدا نادى جبريل  :  إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء  :  إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض  . ‌

2) إفشاء السلام :

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم  ؟  أفشوا السلام بينكم

3)لا يتناجى يتناجى رجلان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس . ‌

  (حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي r قال : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس فإن ذلك يحزنه  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى  ) التناجي التحادث سراً

 (  رجلان  دون الآخر حتى تختلطوا بالناس  )  أي تنضموا إليهم وتمتزجوا ويتحدث بعضهم مع بعض

(  فإن ذلك  يحزنه  )    ثم علل ذكر النهي بقوله  فإن ذلك  يحزنه  ، أي التناجي مع انفراد واحد ، وذلك لئلا يقع في نفسه أنهما يتحدثون عنه بما يشينه أو أنهما لم يشاركاه في الحديث احتقاراً له .

5)                 تعاهد الإخوان بالهدايا فإنها تجلب  للمحبة بنص السنة الصحيحة :

*******************************************

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال :  تهادوا تحابوا .

وكان النبي r يقبل الهدية و يثيب عليها  

(حديث عائشة في صحيح البخاري) قالت كان النبي r    يقبل الهدية و يثيب عليها  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

( كان يقبل الهدية ويثيب عليها  )  بأن يعطي بدلها فيسن التأسي به في ذلك بأن يجازي المهدي بهدية أيضاً .

مسألة : ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من أراد الإهداء أو قبول الهدية  إذا أراد التأسي بالنبي r

الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من أراد الإهداء إذا أراد التأسي بالنبي r هي ما يلي :

1) الإهداء ولو بالشيء القليل كذلك على قبول الهدية ولو كانت شيئاً قليلاً لأن العبرة بمعناها .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : يا نساء المسلمات  !  لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة  . ‌

*معنى فرسن شاة : الفِرسن للشاة كالقدم للإنسان ، وفي الحديث دليل واضح جَلِيٌ على تعاهد الجار 

 . (حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : لو دُعيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِي إليَّ ذِراعٍ أو كُراعٍ لقبلت  . ‌

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح :

وخصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها والكراع لا قيمة لها . 

2) ومن السنة أنك إذا رددت الهدية تبين سبب ردها تطيباً لخاطر صاحبها

(حديث الصعب بن جثامة الليثي في الصحيحين ) أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم .

2)                 يكره الرجوع في الهدية

(حديث ابن عباس في الصحيحين ) أن النبي r قال : ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه  . ‌

3)                 أن يجتنب المنّ فإنه يبطل ثواب الهدية

(حديث أبي ذر في صحيح مسلم )  أن النبي r قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم  :  المسبل إزاره و المنَّان الذي لا يعطي شيئا إلا منه و المنفق سلعته بالحلف الكاذب  . ‌

 

 

 

 

  (حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي r قال : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس فإن ذلك يحزنه  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى  ) التناجي التحادث سراً

 (  رجلان  دون الآخر حتى تختلطوا بالناس  )  أي تنضموا إليهم وتمتزجوا ويتحدث بعضهم مع بعض

(  فإن ذلك  يحزنه  )    ثم علل ذكر النهي بقوله  فإن ذلك  يحزنه  ، أي التناجي مع انفراد واحد ، وذلك لئلا يقع في نفسه أنهما يتحدثون عنه بما يشينه أو أنهما لم يشاركاه في الحديث احتقاراً له .

 

إن الإحسان والعفو عن الناس من شيم المحسنين قال تعالى: (الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) [سورة: آل عمران - الآية: 134]

*والله تعالى يزيدك بعفوك عزاً بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة  في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله  . ‌

 

إن دفع   السيئة بالحسنة  يحوِّل العداوة إلى محبة بنص القرآن الكريم ، قال تعالى: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ) [سورة: فصلت /34،35] 

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :

قوله تعالى : [ ادفع بالتي هي أحسن ] قال ابن عباس : أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك . وعنه أيضاً : هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقاً فغفر الله لي ، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك .

وقوله تعالى : " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " أي قريب حديق

 قال ابن عباس : أمره الله تعالى في هذا الآية بالصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان ، وخضع لهم عدوهم . وروي أن رجلاً شتم قنبراً مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر ! دع شاتمك ، واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان ،وتعاقب شاتمك ، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه .

{تنبيه} : إذا قابلت إساءة الإنسان بعفوك وإحسانك لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.

 

 

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم)  أن رجلا قال  يا رسول الله إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني وأُحسنُ إليهم ويُسيئون إلي وأحلُمُ عنهم ويجهلون علي فقال  r  لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك

 الشاهد من الحديث :

 قوله r [لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ]

ومعنى الملَّ : الرماد الحار

ومعنى [تُسِفُّهمُ المَلَّ] : أي تطعمهم الرماد الحار ، والمقصود أنك منصورٌ عليهم وتنقطع حجتهم كما ينقطع كلام من سَفَّ الرماد الحار .

 

 (حديث المقدام بن معد يكرب في صحيح أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه  . ‌

 

(حديث أبي موسى في الصحيحين) قال : كان رسول الله r إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال : اشفعوا تؤجروا و يقضي الله على لسان نبيه ما أحب  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 

 (  اشفعوا  )  أي ليشفع بعضكم في بعض

 (  تؤجروا  )  أي يثبكم الله تعالى

  (  ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب  )  أي يظهر الله تعالى على لسان رسوله بوحي أو إلهام ما قدره في علمه أنه سيكون من إعطاء وحرمان  ،  أو يجري الله على لسانه ما شاء من موجبات قضاء الحاجة أو عدمها  ،  فإذا عرض صاحب حاجة حاجته عليّ فاشفعوا له يحصل لكم أجر الشفاعة أي ثوابها وإن لم تقبل  ،  فإن قضيت حاجة من شفعتم له فبتقدير الله  ،  وإن لم تقض فبتقدير الله  . 

 

قال تعالى: (وَلاَ تَمُدّنّ عَيْنَيْكَ إِلَىَ مَا مَتّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [سورة: طه - الآية: 131]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :

ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزناً، فإنه لا بقاء لها.

" ولا تمدن " أبلغ من لا تنظرن، لأن الذي يمد بصره، إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه.

(حديث سهل بن سعد في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبيr رجلٌ فقال يا رسول الله : دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله r  : ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس  . ‌

 

من أهم الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق مراعاة أحاسيس الناس ومشاعرهم وجبر خاطرهم

(حديث الصعب بن جثامة الليثي في الصحيحين ) أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم .

{تنبيه} : ومن ذلك أنه لا يواجه الناس بالعتاب مراعاة لأحاسيس الناس ومشاعرهم تأسياً بالنبي r

(حديث عائشة في صحيح أبي داود) أن النبي r كان إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل  :  ما بال فلان يقول  ؟  و لكن يقول  :  ما بال أقوام يقولون كذا و كذا  . ‌

 

من أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق إدخال السرور على المسلم فإنها من أفضل الأعمال بنص السنة الصحيحة

(حديث محمد بن المنكدر في صحيح الجامع) أن النبي r قال : من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة  . ‌

 

من أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق الإنصـــاف لأخيـك المسلم فإنها من أفضل الأعمال  ، فلا تكون كحال من يرى عيوب أخيه وينسى عيوب نفسه

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : يَبْصُرُ أحدكم القذى في عين أخيه و ينسى الجذعَ في عينه  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 (  يبصر أحدكم القذى في عين أخيه  )  في الإسلام جمع قذاة وهي ما يقع في العين والماء والشراب من نحو تراب وتبن ووسخ

 (  وينسى الجذع في عينه  ) واحد جذوع النخل ،  كأن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه فيدركه مع خفائه فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به مثل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويعيرهم به وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة وذلك من أقبح القبائح وأفضح الفضائح فرحم اللّه من حفظ قلبه ولسانه ولزم شأنه وكف عن عرض أخيه وأعرض عما لا يعنيه فمن حفظ هذه الوصية دامت سلامته وقلت ندامته فتسليم  الأحوال لأهلها أسلم واللّه أعلى وأعلم .

 

من أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن لا تتبع عيوب أخيك المسلم ، لأنك إذا تتبعت عيوب أخيك المسلم أفسدته

 (حديث معاوية في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم  . ‌

  

إن الإصلاح بين الناس من أفضل القربات وأجل الطاعات ، ويترتب عليه الأجر العظيم بنص القرآن والسنة الصحيحة ،  بل هو أفضل من درجة الصيام والصلاة وقد حثنا الله تعالى على إصلاح ذات البين في محكم التنزيل منها مايلي : 

قال تعالى: (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ( النساء / 114)

النجوى: السر بين الاثنين ، تقول : ناجيت فلاناً مناجاة  *

*ومعنى (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ) : لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ ، ثم وعد الله تعالى من يفعل هذه الخصال الثلاث ابتغاء مرضاته فسوف يؤتيه أجراً عظيماً فقال سبحانه

(وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)

وقال تعالى: (فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) ( الأنفال / 1)

وقال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ( الحجرات / 10)

والسنة الصحيحة طافحةُ بالحث على إصلاح ذات البين ومنه ما يلي :

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة و يعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة و الكلمة الطيبة صدقة و كل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة و يميط الأذى عن الطريق صدقة  . ‌

{تنبيه}: معنى سُلامى أي مفصل ، والمعنى أن على كل مسلم مكلف بعدد كلِ مفصل من عظامه صدقةٌ لله تعالى على سبيل الشكر على أن جعل لعظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط .

الشاهد من الحديث : قوله r يعدل بين الاثنين صدقة  .

*وقد رخص النبي r في الكذب من أجل الإصلاح بين الناس ، مما يدل على فضل الإصلاح بين الناس .

(حديث أم كلثوم بنت عقبة في الصحيحين) أن النبي r قال : ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا  . ‌

زاد مسلم (ولم أسمعه يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها )

*وبين النبي r أن إصلاح ذات البين أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة .

(حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي  r قال :  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام و الصلاة و الصدقة  ؟  إصلاح ذات البين،  وفساد ذات البين هي الحالقة.

قال الإمام 00 في فيض القدير شرح الجامع الصغير

)  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة   )  أي بدرجة هي أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة   

(  إصلاح ذات البين  )  أي إصلاح أحوال البين حتى تكون أحوالكم أحوال صحبة وألفة أو هو إصلاح الفساد والفتنة التي بين القوم

 (  فإن فساد ذات البين هي الحالقة  )  أي الخصلة التي شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر أو المراد المزيلة لمن وقع فيها لما يترتب عليه من الفساد والضغائن وذلك لما فيه من عموم المنافع الدينية والدنيوية من التعاون والتناصر والألفة والاجتماع على الخير حتى أبيح فيه الكذب وكثرة ما يندفع من المضرة في الدنيا والدين بتشتت القلوب ووهن الأديان من العداوات وتسليط الأعداء وشماتة الحساد فلذلك صارت أفضل الصدقات  . 

من أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق طلاقة الوجه عند اللقاء

 (حديث أبي ذر في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق  . ‌

 

من أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن يرد عن عِرض أخيه

(حديث أبي الدرداء في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة  . ‌

 قال  الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

(من رد عن عرض أخيه  )  في الدين أي رد على من اغتابه وشان من أذاه وعابه

 (  رد اللّه عن وجهه  )  أي ذانه وخصه لأن تعذيبه أنكى في الإيلام وأشد في الهوان

 (  النار يوم القيامة  )  جزاء بما فعل وذلك لأن عرض المؤمن كدمه فمن هتك عرضه فكأنه سفك دمه ومن عمل على صون عرضه فكأنه صان دمه فيجازى على ذلك بصونه عن النار يوم القيامة .

(حديث أسماء بنت يزيد في صحيح الجامع) أن النبي r قال : من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار  . ‌

 قال  الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

(من ذب  )  أي من دفع

(  عن عرض أخيه بالغيبة  )  قال الطيبي  :  هو كناية عن الغيبة كأنه قيل من ذب عن غيبة أخيه في غيبته .

  (  كان حقاً على اللّه أن يعتقه من النار  )  قال الطيبي  :  هو استشهاد لقوله كان حقاً إلخ وفيه أن المستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه فإن خاف فبقلبه فإن قدر على القيام أو قطع الكلام لزمه وإن قال بلسانه اسكت وهو مشتهٍ ذلك بقلبه فذلك نفاق  ،  قال الغزالي  :  ولا يكفي أن يشير باليد أن اسكت أو بحاجبه أو رأسه وغير ذلك فإنه احتقار للمذكور بل ينبغي الذب عنه صريحاً كما دلت عليه الأخبار  . 

 

إن الإصلاح بين الناس من أفضل القربات وأجل الطاعات ، ويترتب عليه الأجر العظيم بنص القرآن والسنة الصحيحة ،  بل هو أفضل من درجة الصيام والصلاة وقد حثنا الله تعالى على إصلاح ذات البين في محكم التنزيل منها مايلي : 

قال تعالى: (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ( النساء / 114)

النجوى: السر بين الاثنين ، تقول : ناجيت فلاناً مناجاة  *

*ومعنى (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ) : لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ ، ثم وعد الله تعالى من يفعل هذه الخصال الثلاث ابتغاء مرضاته فسوف يؤتيه أجراً عظيماً فقال سبحانه

(وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)

وقال تعالى: (فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) ( الأنفال / 1)

وقال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ( الحجرات / 10)

والسنة الصحيحة طافحةُ بالحث على إصلاح ذات البين ومنه ما يلي :

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة و يعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة و الكلمة الطيبة صدقة و كل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة و يميط الأذى عن الطريق صدقة  . ‌

{تنبيه}: معنى سُلامى أي مفصل ، والمعنى أن على كل مسلم مكلف بعدد كلِ مفصل من عظامه صدقةٌ لله تعالى على سبيل الشكر على أن جعل لعظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط .

الشاهد من الحديث : قوله r يعدل بين الاثنين صدقة  .

*وقد رخص النبي r في الكذب من أجل الإصلاح بين الناس ، مما يدل على فضل الإصلاح بين الناس .

(حديث أم كلثوم بنت عقبة في الصحيحين) أن النبي r قال : ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا  . ‌

زاد مسلم (ولم أسمعه يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها )

*وبين النبي r أن إصلاح ذات البين أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة .

(حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي  r قال :  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام و الصلاة و الصدقة  ؟  إصلاح ذات البين،  وفساد ذات البين هي الحالقة.

قال الإمام الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

)  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة   )  أي بدرجة هي أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة   

(  إصلاح ذات البين  )  أي إصلاح أحوال البين حتى تكون أحوالكم أحوال صحبة وألفة أو هو إصلاح الفساد والفتنة التي بين القوم

 (  فإن فساد ذات البين هي الحالقة  )  أي الخصلة التي شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر أو المراد المزيلة لمن وقع فيها لما يترتب عليه من الفساد والضغائن وذلك لما فيه من عموم المنافع الدينية والدنيوية من التعاون والتناصر والألفة والاجتماع على الخير حتى أبيح فيه الكذب وكثرة ما يندفع من المضرة في الدنيا والدين بتشتت القلوب ووهن الأديان من العداوات وتسليط الأعداء وشماتة الحساد فلذلك صارت أفضل الصدقات  

إن التعاون على البر والتقوى من أفضل القربات وأجل الطاعات ، ويترتب عليه الأجر العظيم بنص السنة الصحيحة

 قال تعالى : ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ) [سورة: المائدة - الآية: 2]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :

قوله تعالى :[ وتعاونوا على البر والتقوى] قال الأخفش: هو مقطوع من أول الكلام وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى أي ليعن بعضكم بعضاً وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعلموا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه .

وقال ابن خويز منداد في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ويعينهم الغني بماله والشجاع بشجاعته في سبيل الله وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة .

 ثم نهى فقال: " ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وهو الحكم اللاحق عن الجرائم وعن العدوان وهو ظلم الناس ثم أم بالتقوى وتوعد توعداً مجملاً فقال: " واتقوا الله إن الله شديد العقاب".

**والسنة الصحيحة طافحة بالحث على التعاون على البر والتقوى

(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي r قال :الدال على الخير كفاعله  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

  (الدال على الخير كفاعله  )  فإن حصل ذلك الخير فله مثل ثوابه وإلا فله ثواب دلالته قال القرطبي  :  ذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور إنما هو بغير تضعيف لأن فعل الخير لم يفعله الدال وليس كما قال بل ظاهر اللفظ المساواة ويمكن أن يصار إلى ذلك لأن الأجر على الأعمال إنما هو بفضل اللّه يهب لمن يشاء على أي فعل شاء وقد جاء في الشرع كثير وظاهر صنيع المصنف أن هذا هو الحديث بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته والدال على الشر كفاعله أي لإعانته عليه فله كفعله من الإثم وإن لم يحصل بمباشرته  . 

(حديث زيد بن خالد في الصحيحين) أن النبي r قال : من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا و من خلف غازيا في سبيل الله في أهله بخير فقد غزا  . ‌

 

 

 

 

إن النصيحة من أفضل القربات وأجل الطاعات ، ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق

ولا سيما إن كانت النصائح الأخوية صادرةٌ عن إخلاص وحسن طوية ليس فيها مجالاً للحقد والحسد أو اتِّباع الهوى ، فإنها إن خلت من ذلك وجدت للسامع في سمعه مسمعاً وفي قلبه موقعا ، وعليه أن يتقبلها بقبولٍ حسن عسى الله أن ينفعه بها ويوفقه إلى تطبيقها .

قال تعالى (وَالْعَصْرِ إِنّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ ) [ العصر : من 1: 3]

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره :

فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم " وتواصوا بالحق " وهو أداء الطاعات وترك المحرمات.

**والسنة الصحيحة طافحة بالحث على النصيحة بين المؤمنين

(حديث تميم ابن أوس الداريِّ في صحيح مسلم )  أن النبي r قال : الدين النصيحة قالوا  :  لمن يا رسول اللّه قال  :  للّه وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

   (  الدين النصيحة  )  أي عماده وقوامه النصيحة على وزان الحج عرفة فبولغ في النصيحة حتى جعل الدين كله إياها

(للّه وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم)  قال بعضهم  :  هذا الحديث ربع الإسلام أي أحد أحاديث أربعة يدور عليها وقال النووي  :  بل المدار عليه وحده ولما نظر السلف  إلى ذلك جعلوا النصيحة أعظم وصاياهم قال بعض العارفين  :  أوصيك بالنصح نصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم ويحفظهم وظاهر الخبر وجوب النصح وإن علم أنه لا يفيد في المنصوح ومن قبل النصيحة أمن الفضيحة ومن أبى فلا يلومن إلا نفسه

(حديث جرير بن عبد الله في الصحيحين ) قال بايعت رسول الله r على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل  مسلم .

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود ) أن النبي r قال : المؤمن مرآة المؤمن و المؤمن أخو المؤمن يكفُّ عليه ضيعته و يحُوطُه من ورائه  . ‌

 

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 (  المؤمن مرآة المؤمن  )  فأنت مرآة لأخيك يبصر حاله فيك وهو مرآة لك تبصر حالك فيه فإن شهدت في أخيك خيراً فهو لك وإن شهدت غيره فهو لك وكل إنسان مشهده عائد عليه ومن ثم قالوا  :  من مشهدك يأتيك روح مددك

 (  والمؤمن أخو المؤمن  )  أي بينه وبينه أخوه ثابتة بسبب الإيمان  {  إنما المؤمنون إخوة  } 

 (  يكف عليه ضيعته  )  أي يجمع عليه معيشته ويضمها له وضيعة الرجل ما منه معاشه

 (  ويحوطه من ورائه  )  أي يحفظه ويصونه ويذب عنه ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً ويعامله بالإحسان بقدر الطاقة والشفقة والنصيحة وغير ذلك قال بعض العارفين  :  كن رداءاً وقميصاً لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه في نفسه وعرضه وأهله فإنك أخوه بالنص القرآني فاجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما يزبل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة فأزل عنه كل أذى به عن نفسه  . 

 ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق رحمة الصغير وتوقير الكبير

(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا  . ‌

 

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 

 (  ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا  )  الواو بمعنى أو فالتحذير من كل منهما وحده فيتعين أن يعامل كلاً منهما بما يليق به فيعطى الصغير حقه من الرفق به والرحمة والشفقة عليه ويعطى الكبير حقه من الشرف والتوقير  ،  قال الحافظ العراقي  :  فيه التوسعة للقادم على أهل المجلس إذا أمكن توسعهم له سيما إن كان ممن أمر بإكرامه من الشيوخ شيباً أو علماً أو كونه كبير قوم كما في حديث جرير المار إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه  . 

  (حديث أبي موسى في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال :  إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم و حامل القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرام ذي السلطان المقسط  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 (  إن من إجلال اللّه  )  أي تبجيله وتعظيمه

 (  إكرام ذي  الشيبة المسلم  )  أي تعظيم الشيخ الكبير صاحب الشيبة البيضاء الذي عمره في الإيمان وتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه

 (  وحامل القرآن  )  أي قارئه

 (  غير الغالي فيه  )  أي غير المتجاوز الحد في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه وفي حدود قراءته ومخارج حروفه

 (  والجافي عنه  )  أي التارك له البعيد عن تلاوته والعمل بما فيه  

(  وإكرام ذي السلطان  )  أي سلطان لأنه ذي قهر وغلبة من السلاطة وهي التمكن من القهر قال اللّه تعالى  {  ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم  }  ومنه سمي السلطان وقيل ذي حجة لأنه يقام به الحجج  (  المقسط  )  بضم الميم العادل في حكمه بين رعيته قال ابن الأثير  :  وقيد بقوله غير الغالي إلخ لأن من أخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور والغلو التشديد في الدين ومجاوزة الحد والتجافي البعد عنه  . 

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية

(حديث عقبة بن عامر في الصحيحين) أن النبي r قال : إياكم و الدخول على النساء  قالوا  :  يا رسول اللّه أرأيت الحمو قال  :  الحمو الموت أي دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة فهو ‌

  

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

               

 (  إياكم والدخول على النساء   )  بالنصب على التحذير وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرز منه أي اتقوا الدخول النساء  ،وتضمن منع الدخول منع الخلوة بأجنبية بالأولى والنهي  ظاهر العلة والقصد به غير ذوات المحارم  ،  ذكر الغزالي أن راهباً من بني إسرائيل أتاه أناس بجارية بها علة ليداويها فأبى قبولها فما زالوا به حتى قبلها يعالجها فأتاه الشيطان فوسوس له مقاربتها فوقع عليها فحملت فوسوس له الآن تفتضح فاقتلها وقل لأهلها ماتت فقتلها وألقى الشيطان في قلب أهلها أنه قتلها فأخذوه وحصروه فقال له الشيطان  :  اسجد لي تنج فسجد له ،  فانظر إلى حيله كيف اضطره إلى الكفر بطاعته له في قبوله للجارية وجعلها عنده  

(قالوا  :  يا رسول اللّه أرأيت الحمو قال  :  الحمو الموت)   والحمو أخو الزوج وقريبه  ،   الحمو الموت : أي دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة فهو ‌

 محرم شديد التحريم وإنما بالغ في الزجر بتشبيهه الموت لتسامح الناس في ذلك حتى كأنه غير أجنبي من المرأة وخرج هذا مخرج قولهم الأسد الموت أي لقاؤه يقضي إليه وكذا دخول الحمو عليها يفضي إلى موت الدين أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو برجمها إن زنت معه وقد بالغ مالك في هذا الباب حتى منع ما يجر إلى التهم كخلوة امرأة بابن زوجها وإن كانت جائزة لأن موقع امتناع الرجل من النظر بشهوة لامرأة أبيه ليس كموقعه منه لأمه هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية وذاك أنست به النفس الشهوانية. 

 ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق ألا تُكَلَمُ النساء إلا بإذن أزواجهن

(حديث عمرو بن العاص في صحيح الجامع) أن النبي r نهى أن تكلم النساء إلا بإذن أزواجهن  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

               

(  نهى أن تكلم النساء إلا بإذن أزواجهن  )  لأنه مظنة الوقوع في الفاحشة بتسويل الشيطان ومفهومه الجواز بإذنه وحمله الولي العراقي على ما إذا انتفت مع ذلك الخلوة المحرمة والكلام في رجال غير محارم  . 

(حديث أميمة بنت رقيقة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إني لا أصافح النساء  . ‌

 

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 (  إني لا أصافح النساء  )  وفي رواية للطبراني لا أمس يد النساء وهذا قاله لأميمة بنت رقيقة لما أتته في نسوة تبايعه على أن لا نشرك باللّه شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف قال لهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم  :  فيما استطعتنّ وأطقتنّ فقلنا  :  اللّه ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك على ذلك فقال  :  إني لا أصافح النساء وإنما قولي لمائة امرأة كقولي أو مثل قولي لامرأة واحدة انتهى هذا سياق الحديث عند مخرجيه  . 

(حديث معقل بن يسار في صحيح الجامع) أن النبي r قال :   لأن يطعن في رأس أحدكم بمِخْيَطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له  . ‌

 

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 (  لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط  )  بكسر الميم وفتح الياء وهو ما يخاط به كالإبرة والمسلة ونحوها  (  من حديد  )  خصه لأنه أصلب من غيره وأشد بالطعن وأقوى في الإيلام  (  خير له من يمس امرأة لا تحل له  )  أي لا يحل له نكاحها وإذا كان هذا في مجرد المس الصادق بما إذا كان بغير شهوة فما بالك بما فوقه من القبلة  والمباشرة في ظاهر الفرج  . 

  

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق الحرص على مجالسة الصالحين فيجب على المسلم أن يعتني بها اهتماماً بالغاً لأن الطباع سَرَّاقة والناس مجبولون على تقليد بعضهم البعض ، فالمرء على دين خليله .

(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي r قال :  مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل  المسك و نافخ الكير ، فحامل  المسك  إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما  تجد منه ريحا طيبة ،   ونافخ الكير إما أن  يحرق  ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة  . ‌

 .  قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

بين به النهي عن مجالسة من يتأذى به ديناً أو دنيا والترغيب فيمن ينتفع بمجالسته فيهما وجواز بيع المسك وطهارته  . 

قال الراغب  :  نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيراً كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريراً قال الحكماء  :  من صحب خيراً أصاب بركته فجليس أولياء اللّه لا يشقى وإن كان كلباً ككلب أهل الكهف ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء  ،  قال علي كرم اللّه وجهه  :  لا تصحب الفاجر فإنه يزين لك فعله ويود لو أنك مثله  ،  وقالوا  :  إياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري وليس إعداء الجليس جليسة بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه فإن من دامت رؤيته للمسرور سر أو للمحزون حزن وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات فالحمل الصعب يصير ذلولاً بمقاربة الجمل الذلول والذلول قد ينقلب صعباً بمقارنة الصعاب والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الذابلة ولهذا يلتقط أهل الفلاحة الرمم عن الزرع لئلا تفسدها ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة فما الظن بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها؟ فقد قيل سمي الإنس لأنه يأنس بما يراه خيراً أو شراً  . ‌

 (حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل .

 (حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 [لا تصاحب إلا مؤمناً  ] :   وكامل الإيمان أولى لأن الطباع سراقة  ،  ومن ثم قيل صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً  ،  وإذا مرت على الطيب حملت طيباً  

[  ولا يأكل طعامك إلا تقي ] :   لأن المطاعمة توجب الألفة وتؤدي إلى الخلطة بل هي أوثق عرى المداخلة ومخالطة غير التقي يخل بالدين ويوقع في الشبه والمحظورات فكأنه ينهى عن مخالطة الفجار إذ لا تخلو عن فساد إما بمتابعة في فعل أو مسامحة في إغضاء عن منكر فإن سلم من ذلك ولا يكاد فلا تخطئه فتنة الغير به وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان لأن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم أطعم المشركين وأعطى المؤلفة المئين بل يطعمه ولا يخالطه  .

قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه :

عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينةٌ في الرخاء وعدةٌ في البلاء ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقيلك منه ، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من يخشى الله ، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى .

قال الإمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى في مختصر منهاج القاصدين :

ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمسُ خصال :

1)                 العقل : فهو رأس مال ، ولا خير في صحبة الأحمق لأنه يريد أن ينفعك فيضرك .

2)                 حسن الخلق : فلا بد منه إذ رُبَّ عاقلٍ يغلبه غضبه أو شهوة فيطيع هواه فلا خير في صحبته .

3)                 غير فاسق : لأن الفاسق لا يخاف الله ، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق به ، ومن خان أولَ منعم ٍ لا يفي لك أبداً

4)                 غير مبتدع : لأن المبتدع يُخافُ من صحبته لأن في صحبتك له الشر كله إما سراية البدعة أو عدم الإنكار عليه أو تتعلم من بدعته فيحصل لك انتكاسة . 

5)غير حريصٍ على الدنيا لأن الحرص على المال يفسد الدين بقدر أكبر من الفساد الحاصل من إرسال ذئبين جائعين على غنم ، أي يفسد فساداً بيناً بلا روية

(حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي)  أن النبي r قال : ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه  . ‌

مقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً  للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً   ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً  .

(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي r قال :  مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل  المسك و نافخ الكير ، فحامل  المسك  إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما  تجد منه ريحا طيبة ،   ونافخ الكير إما أن  يحرق  ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة  . ‌

 .  قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

بين به النهي عن مجالسة من يتأذى به ديناً أو دنيا والترغيب فيمن ينتفع بمجالسته فيهما وجواز بيع المسك وطهارته  . 

قال الراغب  :  نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيراً كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريراً قال الحكماء  :  من صحب خيراً أصاب بركته فجليس أولياء اللّه لا يشقى وإن كان كلباً ككلب أهل الكهف ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء  ،  قال علي كرم اللّه وجهه  :  لا تصحب الفاجر فإنه يزين لك فعله ويود لو أنك مثله  ،  وقالوا  :  إياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري وليس إعداء الجليس جليسة بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه فإن من دامت رؤيته للمسرور سر أو للمحزون حزن وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات فالحمل الصعب يصير ذلولاً بمقاربة الجمل الذلول والذلول قد ينقلب صعباً بمقارنة الصعاب والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الذابلة ولهذا يلتقط أهل الفلاحة الرمم عن الزرع لئلا تفسدها ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة فما الظن بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها؟ فقد قيل سمي الإنس لأنه يأنس بما يراه خيراً أو شراً  . ‌

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فطوبى 00

(حديث أنس في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال :إن من الناس ناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر و إن من الناس ناسا مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه و ويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه  . ‌

 

.  قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

  إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس ناساً مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى  )  أي حسنى أو خيراً وهو من الطيب أي عيش طيب

 (  لمن جعل اللّه مفاتيح الخير على يديه وويل  )  شدة حسرة ودمار وهلاك  (  لمن جعل اللّه مفاتيح الشر على يديه  )  قال الحكيم  :  فالخير مرضاة اللّه والشر سخطه فإذا رضى اللّه عن عبد فعلامة رضاه أن يجعله مفتاحاً للخير فإن رؤى ذكر الخير برؤيته وإن حضر حضر الخير معه وإن نطق نطق بخير وعليه من اللّه سمات ظاهرة لأنه يتقلب في الخير بعمل الخير وينطق بخير ويفكر في خير ويضمر خيراً فهو مفتاح الخير حسبما حضر وسبب الخير لكل من صحبه والآخر يتقلب في شر ويعمل شراً وينطق بشر ويفكر في شر ويضمر شراً فهو مفتاح الشر لذلك فصحبة الأول دواء والثاني داء  . 

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق قضاء حوائج المسلمين وخدمتهم

(حديث محمد بن المنكدر في صحيح الجامع) أن النبي r قال : من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة  . ‌

 قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير

 

(  من أفضل العمل إدخال السرور  )  أي الفرح  (  على المؤمن  )  إذا كان ذلك من المطلوبات الشرعية كأن  (  تقضي عنه  ديناً  )  لا يقدر على وفائه ويحتمل الإطلاق لأن تحمل ذلك عنه يسره غالباً  (  تقضي له حاجة  )  لا يستطيع إبلاغها أو يستطيعه  (  تنفس له كربة  )  من الكرب الدنيوية أو الأخروية فكل واحدة من هذه الخصال من أفضل الأعمال بلا إشكال بل ربما وقع في بعض الأحيان أن يكون ذلك من فروض الأعيان  . 

(حديث جابر في صحيح الجامع) أن النبي r قال :  خير الناس أنفعهم للناس  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير 

 (  خير الناس أنفعهم للناس  )  بالإحسان إليهم بماله وجاهه فإنهم عباد فإنهم عباد اللّه وأحبهم إليه وأنفعهم لعياله أي أشرفهم عنده أكثرهم نفعاً للناس بنعمة يسديها أو نقمة يزويها عنهم ديناً أو دنيا ومنافع الدين أشرف قدراً وأبقى نفعاً قال بعضهم  :  هذا يفيد أن الإمام العادل خير الناس أي بعد الأنبياء لأن الأمور التي يعم نفعها ويعظم وقعها لا يقوم بها غيره وبه نفع العباد والبلاد وهو القائم بخلافة النبوة في إصلاح الخلق ودعائهم إلى الحق وإقامة دينهم وتقويم أودهم ولولاه لم يكن علم ولا عمل  . 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال :  الساعي على الأرملة و المسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير 

 (  الساعي على الأرملة  )  براء مهملة التي لا زوج لها  (  والمسكين  )  أي الكاسب لهما العامل لمؤونتهما  (  كالمجاهد في سبيل اللّه  )  لإعلاء كلمة اللّه  (  أو  )  كذا بالشك في كثير من الروايات وفي بعضها بالواو  (  القائم الليل  )  في العبادة ويجوز في الليل الحركات الثلاث كما في قولهم الحسن الوجه  (  الصائم النهار  )  لا يفتر ولا يضعف وأل في المجاهد والقائم معرفة ولذلك جاء في بعض الروايات وصف كل منهما بجملة فعلية بعده وهو كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر كقوله  :  ولقد أمر على اللئيم يسبني  . 

(حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري) أن النبي r قال :  أنا و كافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بأُصبعيه بالسبابة والوسطى . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير 

 (  أنا وكافل اليتيم  )  أي القائم بأمره ومصالحه هبه من مال نفسه أو من مال اليتيم كان ذا قرابة أم لا  (  في الجنة هكذا  )  وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما أي أن الكافل في الجنة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا أن درجته لا تبلغ بل تقارب درجته وفي الإشارة إشارة إلى أن بين درجته والكافل قدر تفاوت ما بين المشار به ويحتمل أن المراد قرب المنزلة حال دخول الجنة أو المراد في سرعة الدخول وذلك لما فيه من حسن الخلافة للأبوين ورحمة الصغير وذلك مقصود عظيم في الشريعة ومناسبة التشبيه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم شأنه أن يبعث لقوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً ومرشداً لهم ومعلماً وكافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل فيرشده ويعقله وهذا تنويه عظيم بفضل قبول وصية من يوصى إليه ومحل كراهة الدخول في الوصايا أن يخاف تهمة أو ضعفاً عن القيام بحقها  . 

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق صنع المعروف

 

(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي r قال :  صنائع المعروف تقي مصارع السوء و الآفات و الهلكات و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى  في فيض القدير شرح الجامع الصغير 

 (  صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة  )  هذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله  .  قال علي كرم اللّه وجهه  :  لا يزهدك في المعروف كفر من كفر فقد يشكره الشاكر أضعاف جحود الكافر قال الماوردي  :  فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجله حذراً من قوته ويبادر به خيفة عجزه ويعتقد أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه ولا يمهله ثقة بالقدرة عليه فكم من واثق بقدرة فاتت فأعقبت ندماً ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلاً ولو فطن لنوائب دهره وتحفظ من عواقب فكره لكانت مغارمه مدحورة ومغانمه محبورة وقيل  :  من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها  . 

  

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق صنع المعروف شكر المعروف ، فمن صنع إليك معروفاً وإن كان هو لا يريد منك جزاءاً ولا شكوراً لأنه أراد بذلك وجه الله تعالى إلا أنه من السنة أن تشكره على معروفه حتى تُوَفَّق لشكر الله تعالى .

 

(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال : من لا يشكر الناس لا يشكر الله  . ‌

معنى [من لا يشكر الناس لا يشكر الله ] : فيها وجهان :

الأول : من كان طبعه وعادته عدم شكر الناس على معروفهم فإنه لا يوفق لشكر الله تعالى

والثاني : أن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر الناس على إحسانهم إليه .

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق الحب في الله تعالى فإنه من أوثق عُرى الإيمان

 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله  :  إمام عادل و شاب نشأ في عبادة الله و رجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه  وتفرقا عليه،   و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال  :  إني أخاف الله و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه  و رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه .

الشاهد من الحديث : أن الله تعالى جعل الحب في الله تعالى من بين الصفات التي تجعل العيد يفوز بظله سبحانه يوم لا ظل إلا ظله .

 

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : يقول الله تعالى أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظله .

(حديث أبي أُمامة في صحيح أبي داود)  أن النبي r قال : من أحب لله و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الإيمان  .

الشاهد من الحديث :

قولهr [ من أحب لله و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الإيمان] :  

فبين النبي r أن الحب في الله تعالى من بين الصفات التي تؤدي إلى استكمل الإيمان

 

(حديث ابن عباس  في صحيح الجامع) أن النبي r قال : أوثق عرى الإيمان  :  الموالاة في الله و المعاداة في الله و الحب في الله و البغض في الله عز و جل  . ‌

الشاهد من الحديث : أن الحب في الله تعالى من أوثق عرى الإيمان  بنص السنة الصحيحة ،

وأوثق عرى الإيمان  أي أقواها وأثبتها وأحكمها .

(حديث عمر في صحيح أبي داود)  أن النبي r قال : إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية [ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون] .

الشاهد من الحديث : قوله r [يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى] فدل على رفعة مكانتهم عند الله تعالى .

(حديث أبي موسى في الصحيحين) قال : قيل للنبي r الرجل يحب القومَ ولما يلحقُ بهم قال :    المرء مع من أحب  . ‌

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق مراعاة آداب المجلس إذا جلس مع القوم وهاك بعض هذه الآداب :

1)                 يجلس حيث ينتهي

(حديث جابر بن سمُرة في صحيحي أبي داود والترمذي)  قال : كنا إذا أتينا النبي  r يجلسُ أحدنا حيث ينتهي .

2)                 السلام إذا انتهى إلى المجلس وإذا أراد أن يقوم

 (حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال : إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليُسلِّم ، فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى أحق من الثانية . ‌

{تنبيه} : يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم و يجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم  . ‌

 

(حديث علي في صحيح أبي داود ) أن النبي r قال : يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم و يجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم  . ‌

 

3) لا يَجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما .

 

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح أبي داود ) أن النبي r قال : لا يُجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما .

3)                 جواز قيام الرجل لأخيه احتراماً :

(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن أهل قريظة نزلوا  على حكم سعد فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فجاء ، فقال :  قوموا إلى سيدكم _ أو قال خيركم – فقعد عند النبيr فقال هؤلاء نزلوا على حكمك .  قال فإني أحكم أن  تُقْتَلَ مقاتلتهم وتُسْبَى ذراريهم فقال r لقد حكمت بماحكم به الملك .

{ تنبيه} : أما قيام الرجل للرجل على سبيل التعظيم فحرامٌ قطعاً

(حديث معاوية في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال :  من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار  . ‌

*معنى [يتمثل] : أي ينتصب الجالسون له تعظيماً

الشاهد : قوله r [فليتبوأ مقعده من النار  ] لأن قوله فليتبوأ أمر بمعنى الإخبار أي دخل النار إذا سره ذلك .

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق مراعاة آداب الاستئذان ، وإليك أخي بعض هذه الآداب :

1)إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر و يقول السلام عليكم السلام .

(حديث عبد الله بن بسر في صحيح أبي داود) أن النبي r كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر و يقول  :  السلام عليكم السلام عليكم  . ‌

2) أن يكون عنده أمانة حال الاستئذان فلا يتطلع لكي يري أي شيءٍ من عورات المسلمين ف إنما جعل الاستئذان من أجل البصر  . ‌

 

(حديث سهل بن سعد في الصحيحين) قال : اطَّلع رجلٌ من جحرٍ في حجرِ النبي r ومع النبي r مِدْرى يحكُ به رأسه فقال : لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر  . ‌

3)أن يستأذن ثلاثاً فإن لم يؤذن له فليرجع  . ‌

 

(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي r قال : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع  . ‌

4)                 أن يوضح المستأذن اسمه فلا يقل [أنا]

(حديث جابر في الصحيحين) قال : أتيت النبي r في دَيْنٍ كان عليّ ، فدققت الباب فقال من ذا؟ قلت : أنا ، فقال r : أنا أنا ! كأنه كرهها .

5)                 إذا أُذن له فليقل [السلام عليكم أأدخل]

(حديث كِلْدَةَ بن الحنبل في صحيحي أبي داود والترمذي) قال : أتيت النبي r قد دخلت عليه ولم أسلم فقال : ارجع فقل السلام عليكم أأدخل .

 

 ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق غض البصر ، والكتاب والسنة الصحيحة طافحان بالأمر بغض البصر ، وإليك بعض ما ورد في ذلك .

قال تعالى: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىَ لَهُمْ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [سورة: النور - الآية: 30]

الشاهد : قوله تعالى [قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ]

هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا كما رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.

(حديث ابن عباس في الصحيحين) قال كان الفضلُ رَدِيْفَ رسول الله r ، فقدمت امرأةٌ من خثعم ، فجعل الفضلُ ينظرُ إليها وتنظرُ إليه ، وجعل رسول الله يصرفُ وجه الفضل إلى الشقِ الآخر ، فقالت يا رسول الله : إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت شيخاً كبيراً لا يثبتُ على الراحلة ، أفأحجُ عنه ؟ قال نعم . وذلك في حجة الوداع .

 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا ، فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر و الأذنان زناهما الاستماع و اللسان زناه الكلام و اليد زناها البطش و الرجل زناها الخطا و القلب يهوى و يتمنى و يصدق ذلك الفرج أو يكذبه  . ‌

الشاهد : قوله r [فالعينان زناهما النظر]

 

(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن النبي r قال : إياكم و الجلوس في الطرقات ، قالوا يا رسول الله مل لنا منها بدٌ إنها مجالسنا نتحدثُ فيها ، قال  فإذا  أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه ، قالوا وما هو حقُ الطريق ؟ قال :  غض البصر و كف الأذى و رد السلام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر  . ‌

الشاهد : قوله r [فأعطوا الطريق حقه ، قالوا وما هو حقُ الطريق ؟ قال :  غض البصر]

مسألة : ماذا يصنع الإنسان إذا وقع نظره فجأة على ما لا يحلُ له دون قصدٍ منه ؟

يصرف بصره مباشرة بنص السنة الصحيحة

(حديث جرير بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم)  قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.

(حديث بُريدة في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال لعلي يا علي لا تتبع النظرةَ النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة .

 ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أداء الأمانة وتحريم المماطلة

قال تعالى: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) [سورة: النساء - الآية: 58]

الشاهد : قوله تعالى : [إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا]

يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها.

(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"

الشاهد : قوله r [أد الأمانة إلى من ائتمنك]

 (  أدّ  )  وجوباً من الأداء  ،  وهو دفع ما يحق دفعه وتأديته

 (  الأمانة  )  هي كل حق لزمك أداؤه وحفظه ،  والأمانة تشمل أعداداً كثيرة لكن أمهاتها الوديعة واللقطة والرهن والعارية  ،وحفظ الأمانة أثر كمال الإيمان فإذا نقص الإيمان نقصت الأمانة في الناس وإذا زاد زادت

 (  إلى من ائتمنك  )  عليها ، والائتمان إيداع الشيء لحفظه حتى يعاد إلى المؤتمن ولما كانت النفوس نزّاعة إلى الخيانة رواغة عند مضايق الأمانة وربما تأولت جوازها مع من لم يلتزمها أعقبه بقوله

 (  ولا تخن من خانك  )  أي لا تعامله بمعاملته ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : مطل الغني ظلم فإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع  . ‌

 

الشاهد : قوله r [مطل الغني ظلم] :

 (  مطل الغني  )  أي تسويف القادر المتمكن من أداء الدين الحال

 (  ظلم  )  منه لرب الدين فهو حرام ،فيجب وفاء الدين وإن كان مستحقه غنياً

 (  وإذا أُتبع  )  بالبناء للمجهول أُحيل

 (  أحدكم على مليءٍ  )  أي على غني   . 

(  فليتبع  )  أي فليحتل والأمر للندب أو للإباحة عند الجمهور،  والحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة  . 

(حديث الشريد بن سُويد في صحيح السنة الأربعة) أن النبي r قال : ليُّ الواجدِ يُحِلُ عِرْضِهِ و عُقُوبَتَه  . ‌

الشاهد : قوله r [ليُّ الواجدِ يُحِلُ عِرْضِهِ و عُقُوبَتَه]  

(  لي الواجد  )  الليّ بالفتح المطل ، والواجد الغنى

  (  يُحِلُ عرضه  ) أي غيبته كأن تقول إنه ظالم و مماطل ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش

 (  وعقوبته  )  بأن يعزره القاضي على الأداء بنحو ضرب أو حبس حتى يؤدي

                                          

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق مشورة أهل الصـلاح لأن من شاور الناس فقد شاركهم في عقولهم

قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ) [سورة: آل عمران - الآية: 159]

الشاهد : قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ]

 (وشاورهم) استخرج آراءهم (في الأمر) أي شأنك من الحرب وغيره تطييبا لقلوبهم وليستن بك وكان صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لهم .

و قال تعالى: (وَالّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [سورة: الشورى - الآية: 38]

 

الشاهد : قوله تعالى [وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ]

 (وأمرهم شورى بينهم) يتشاورون فيه ولا يعجلون ، فالمشورة من صفات المؤمنين بنص القرآن الكريم .

مسألة : ما هو واجب المستشار ؟

يجب على المستشار شيئين متلازمين إذا أراد النجاة هما :

1)                 أداء الأمانة في المشورة لأنه مؤتمن بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : المستشارُ مُؤتَمَن  .  ‌

الشاهد : قوله r [المستشارُ مُؤتَمَن]

 (  المستشار مؤتمن  )  أي أمين على ما استشير فيه فمن أفضى إلى أخيه بسره وأمنه على نفسه فقد جعله بمحلها فيجب عليه أن لا يشير عليه إلا بما يراه صواباً .

 

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي r قال من أُفْتِىَ بغير علمٍ كان إثْمُه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ أن الرشدَ في غيرهِ فقد خانَه  . ‌

 

الشاهد : قوله  r[ و من أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ أن الرشدَ في غيرهِ فقد خانَه]  . ‌

2) يجب على المستشار كذلك أن لا يكن همه رضا من استشاره   وليكن همه رضا الله تعالى ولو بسخط الناس

(حديث معاوية في صحيح الترمذي)   أن النبي r قال : من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، و من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس  . ‌

             

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب العصبية فإنها هلاكٌ مُحَقَّق

(حديث ابن مسعود في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعيرِ الذي تردى فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه  . ‌

الشاهد : قوله  r[ فهو كالبعيرِ الذي تردى فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه]

[فهو كالبعيرِ الذي تردى] : أي كالبعير الذي سقط وهلك في البئر

[فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه] : أي يُرْفع من البئر بذَنبه أي بذيله فهو هلاك محقق .

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق  اجتناب الغش والخداع للمسلمين فإنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : من حمل علينا السلاح فليس منا و من غشنا فليس منا  . ‌

الشاهد : قوله  r[ و من غشنا فليس منا] 

 (  من غش  )  أي خان والغش ستر حال الشيء

 (  فليس منا  )  أي من متابعينا  .  ليس المعنى  نفيه عن الإسلام بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين أي ليس هو على سنتنا أو طريقتنا في مناصحة الإخوان كما يقول الإنسان لصاحبه أنا منك يريد الموافقة والمتابعة قال تعالى عن إبراهيم  {  فمن تبعني فإنه مني  } 

(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي r نهى عن النَّجَش .

(  نهى عن النَّجش  )  الزيادة في ثمن السلعة  لا لرغبة الشراء بل ليخدع غيره من المسلمين ويوقعه فيها  وهو خداع وغش والعياذ بالله .

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : ليس منا من خَبَّبَ امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده  . ‌

الشاهد : قوله  r[ ليس منا من خَبَّبَ امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده ]

 (  ليس منا من خبب امرأة على زوجها  )  أي خدعها وأفسدها عليه

  قال النووي في الأذكار  :  فيحرم أن يحدث قِن رجل أو روجته أو ابنه أو غلامه أو نحوهم بما يفسدهم به عليه إذا لم يكن أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر  {  وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان  }   . 

ومعنى (ليس منا) : أي ليس من متابعينا  .  ليس المعنى  نفيه عن الإسلام بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين أي ليس هو على سنتنا أو طريقتنا في مناصحة الإخوان كما يقول الإنسان لصاحبه أنا منك يريد الموافقة والمتابعة قال تعالى عن إبراهيم  {  فمن تبعني فإنه مني  .

                                          

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق  اجتناب الغدر للمسلمين  فإنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب ، وهو من صفات المنافقين والعياذ بالله .

(حديث عبد الله بن عمرو  في الصحيحين) أن النبي r قال :  أربع من كن فيه كان منافقا خالصا و من كانت فيه خَصْلَةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها  :  إذا ائتُمن خان و إذا حدَّث كذب و إذا عاهد غدر و إذا خاصَم فجر  . ‌

الشاهد : قوله  r[ و إذا عاهد غدر] فعدها النبي r من صفات المنافقين والعياذ بالله

 (  وإذا عاهد غدر  )  أي نقص العهد  

 

(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي r قال : لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة ، يُقالُ هذه غَدْرَةُ فلانٍ بن فلان .

  ‌ ( لكل غادرٍ لواءٌ  يوم القيامة  )  لتزداد فضيحته وتتضاعف استهانته

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي r قال :قال الله تعالى  :  ثلاثةٌ أنا خَصْمُهُم يوم القيامة  :  رجلٌ أعطى بي ثم غدر و رجلٌ باع حراً فأكل ثمنه و رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه و لم يُعْطِهِ أجره  . ‌

 

الشاهد : قوله  r[ رجلٌ أعطى بي ثم غدر]

 (  رجل أعطى بي ثم غدر  ) أي أعطى يمينه بي أي عاهد عهداً وحلف عليه ثم نقضه  .

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب ظلم العباد فإنه بئس الزاد ليوم الميعاد ، فالظلم ظلماتٌ يوم القيامة ، ودعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب .

قال تعالى: (مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [سورة: غافر - الآية: 18]

 (ما للظالمين من حميم) محب

(ولا شفيع يطاع) تقبل شفاعته لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا فما لنا من شافعين أوله مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا

و قال تعالى: (وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ) [سورة: الحج - الآية: 71]

 (وما للظالمين) بالإشراك (من نصير) يمنع عنهم عذاب الله

( حديث ا بن عباس في الصحيحين ) قال : قال رسول الله r لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن : إنك ستأتي قوماً  أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم ، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب .

 

الشاهد : قوله  r[ واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب ]

(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي r قال : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله  :  و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين  . ‌

 (  اتقوا دعوة المظلوم  )  أي اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم فهو أبلغ من قوله لا تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقاً ثم بين وجه النهي بقوله

 (  فإنها تُحمل على الغمام  )  أي يأمر الله برفعها حتى تجاوز الغمام أي السحاب الأبيض حتى تصل إلى حضرته تقدس

(  يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك  )  بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة وفتح الكاف أي لأستخلصن لك الحق ممن ظلمك

 (  ولو بعد حين  )  أي أمد طويل بل دل به سبحانه على أنه يمهل الظالم ولا يهمله

 (حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي r قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة  . ‌

 (  اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة  )  كناية عن سرعة الوصول لأنه مضطر في دعائه وقد قال سبحانه وتعالى  {  أمّن يجيب المضطر إذا دعاه  }  وكلما قوي الظلم قوي تأثيره في النفس فاشتدت ضراعة المظلوم فقويت استجابته والشرر ما تطاير من النار في الهواء شبه سرعة صعودها بسرعة طيران الشرر من النار  . 

 

 (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه  . ‌

 (  دعوة المظلوم مستجابة  )  أي يستجيبها اللّه تعالى يعني فاجتنبوا جميع أنواع الظلم لئلا يدعو عليكم المظلوم فيجاب  

(  وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه  )  ولا يقدح ذلك في استجابة دعائه لأنه مضطر ونشأ من اضطراره صحة التجائه إلى ربه وقطعه قلبه عما سواه وللإخلاص عند اللّه موقع وقد ضمن إجابة المضطر بقوله  {  أمّن يجيب المضطر إذا دعاه  }  .

 (حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي r قال : بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا  :  البغي و العقوق  . ‌

  بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا  )  أي قبل موت فاعليها  

(  البغي  )  أي مجاوزة الحد والظلم  

(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي   r قال : الظلم ظلماتٌ يوم القيامة .

(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم ) أن النبي   r قال : قال الله تعالى  :  يا عبادي  !  إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي  !  كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ،  يا عبادي  !  كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ،  يا عبادي  !  كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي  !  إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم  ، يا عبادي  !  إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي  !  لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ،  يا عبادي  !  لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ،  يا عبادي  !  لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ،  يا عبادي  !  إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه  . ‌

الشاهد : قوله  r:[ قال الله تعالى  :  يا عبادي  !  إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا ]

 

(  قال اللّه تعالى يا عبادي إني حرّمت  )  أي منعت

 (  الظلم على نفسي  )  أي تقدست وتعاليت عنه لأنه مجاوزة والتصرف في ملك الغير وكلاهما في حقي كالمحرم فهو استعارة مصرحة تبعية شبه تنزهه عنه بتحرز المكلف عما نهى عنه

(  وجعلته محرماً بينكم  )  أي حكمت بتحريمه عليكم

(  فلا تظالموا  )  أي لا تتظالموا أي لا يظلم بعضكم بعضاً

(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي   r قال : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم و حملهم على أن سفكوا دماءهم و استحلوا محارمهم .

 الشاهد : قوله  r:[ ‌ اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة]

(  اتقوا الظلم  )  بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه ونحو ذلك قال بعضهم  :  ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم

 (  فإن الظلم ظلمات يوم القيامة  )  فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما أوقع قدمه في وهدة فهو في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى تجنب سبل الردى فإذا سعى المتقون بنورهم الحاصل بسبب التقوى احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته حتى لا يغني عنه ظلمه شيئاً  .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي   r قال : أتدرون من المفلس  ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . فقال :   إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار  . ‌

(حديث ابن عمر في صحيح البخاري)  أن النبي   r قال : من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين  . ‌

 (  من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به  )  أي هوى به إلى أسفلها  ،  أي بالأخذ غصباً لتلك الأرض المغصوبة

(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي   r قال : إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته  . 

 (  إن اللّه تعالى لَيملي  )  بفتح اللام الأولى أي ليمهل والإملاء الإمهال والتأخير وإطالة العمر  (  للظالم  )  زيادة في استدراجه ليطول عمره ويكثر ظلمه فيزداد عقابه  {  إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  }  فإمهاله عين عقابه

  (  حتى إذا أخذه  )  أي أنزل به نقمته  (  لم يُفلته  )  أي لم يفلت منه .

 

 

(  والعقوق  )  للوالدين وإن عليا أو أحدهما أي إيذاؤهما ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع  . 

{تنبيه} : وينبغي على المسلم إن زلت قدمه ووقع في ظلم أن يرد المظالم إلى أهلها وأن يتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم .

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري)  أن النبي r قال : من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه

{تنبيه} : ويجب عليه أيضاً إن وجد أخاً له وقع في الظلم فإن يجب عليه أن يحجزه ويمنعه من الظلم .

(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي r قال : انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، فقال رجل يا رسول الله :  أنصره إن كان مظلوماً   أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟  قال  :  تحجزه  أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره  . ‌

الشاهد : قوله  r [تحجزه  أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره  ]

 ( تحجزه عن الظلم  )  أي تمنعه منه وتحول بينه وبينه

 (  فإن ذلك نصرة  )  له أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه الأمارة بالسوء .

(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه  . ‌

 (حديث أبي سفيان في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي و هو غير متعتع  . ‌

 

 وعلى المسلم أن يجتنب اجتناب مجالس الظالمين لئلا يصيبهم العذاب فيصبه ذلك العذاب معهم

(حديث عائشة في الصحيحين)  أن النبي r قال : يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسفُ بأولهم و آخرهم ، قال قلت يا رسول الله ! كيف يُخسفُ بأولهم و آخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ قال : يُخسفُ بأولهم و آخرهم  ثم يبعثون على نياتهم  . ‌

(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه  . ‌                            

. ‌

 ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب إيذاء المسلمين

قال تعالى: (وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً) [سورة: الأحزاب - الآية: 58]           

 (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) يرمونهم بغير ما عملوا

 (فقد احتملوا بهتانا) تحملوا كذبا

 (وإثما مبينا) بينا

(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين)  أن النبي r قال :  المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه  . ‌

الشاهد : قوله  r[ :  المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده ]

(  المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده  )  فإيذاء المسلم من نقصان الإسلام والإيذاء ضربان ضرب ظاهر بالجوارح كأخذ المال بنحو سرقة أو نهب وضرب باطن كالحسد والغل والبغض والحقد والكبر وسوء الظن والقسوة ونحو ذلك فكله مضر بالمسلم مؤذ له  ،  وقد أمر الشرع بكف النوعين من الإيذاء وهلك بذلك خلق كثير  .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : صنفان من أهل النار لم أرهما  : رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحَها لتوجد من مسيرة كذا و كذا  . ‌

الشاهد : قوله  r[ صنفان من أهل النار لم أرهما  : رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس ] .

 (  صنفان من أهل النار  )  أي نار جهنم

 (  لم أرهما  )  الضم أي حدثا بعد ذلك العصر

رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس ] .

** وهم أعوان والي الشرطة المعروفون بالجلادين فإذا أمروا بالضرب تعدوا المشروع في الصفة والمقدار وربما أفضى بهم الهوى وما جبلوا عليه من المظالم إلى إهلاك المضروب أو تعظيم عذابه .

(حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي r قال : لا ضرر و لا ضرار  . ‌

(  لا ضرر  )  أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه

 (  ولا ضرار  )  فعال بكسر أوله أي لا يجازي من ضره بإدخال الضرر عليه بل يعفو فالضرر فعل واحد والضرار فعل اثنين  .  وفيه تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل لأن النكرة في سياق النفي تعم .

(حديث خالد بن الوليد في صحيح الجامع) أن النبي r قال : أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة  . ‌

[أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة ] أي كما تدين تدان .

{تنبيه} : يحرم إيذاء المسلمين حتى لو بالإشارة

(حديث أبي هريرة في الصحيحين)  ‌ أن النبي r قال : لا يشرْ أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار  . ‌

 ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق  اجتناب التباغض والتقاطع والتدابر

(حديث أبي هريرة في الصحيحين)  أن النبي r قال : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً .

 

وبينت السنة الصحيحة أن الشحناء والعداوة تؤخر الناس وتمنعهم من الخير .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : تُفتحُ أبواب الجنة يوم الاثنين و يوم الخميس فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه و بين أخيه شحناء فيقال  :  انظروا هذين حتى يصطلحا  . ‌

الشاهد : قوله  r[ فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه و بين أخيه شحناء فيقال  :  انظروا هذين حتى يصطلحا ] ‌

 

 

 (  فيغفر فيهما لكل عبد لا يشرك باللّه شيئاً  )  أي ذنوبه الصغائر  بغير وسيلة طاعة

 (  إلا رجل  كان بينه وبين أخيه شحناء  )  أي عداوة  

(  فيقال انظروا  )  يعني أخروا

  (  هذين حتى  يصطلحا  ) 

  قال أبو داود  :  إذا كان الهجر للّه فليس من هذا فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم هجر بعض نسائه أربعين يوماً وابن عمر هجر ابناً له حتى مات

  

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب الحسـد فإنه داءٌ وبيل بل إنه

من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب ،  والحسد مذموم وصاحبه مغموم ،

 والحسد ينم عن نفسِ خبيثةٍ إذ هو تمني زوال النعمة عن صاحبها والعياذ بالله وهذا يدل على سوء النية وقبح الطوية وسقامة الضمائر وخبث السرائر إذ لو كانت نفسه طيبة لطلب الفضل من الله تعالى الذي لا يعجزه شيءٌ أعطاه بدلاً من أن يحسد الناس على فضل الله تعالى .

قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَىَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مّلْكاً عَظِيماً) [سورة: النساء - الآية: 54]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :  

 

قوله تعالى :" أم يحسدون" يعني اليهود" الناس " يعني النبي صل الله عليه وسلم خاصة عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما حسدوه على النبوة وأصحابه على الإيمان به وقال قتادة الناس العرب، حسدتهم اليهود على النبوة الضحاك: حسدت اليهود قريشا لأن النبوة فيهم والحسد مذموم وصاحبه مغموم :

وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الحسن: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم وحزن لازم وعبرة لا تنفد وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله قيل له : ومن يعادي نعم الله ؟ قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله يقول الله تعالى في بعض الكتب الحسود عدو نعمت متسخط لقضائي غير راض بقسمتي ولمنصور الفقيه:

إلا قل لمن ظل لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في حكمه إذا أنت لم ترض لي ما وهب

ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض فأما في السماء فحسد إبليس لآدم وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل: ولأبي العتاهية في الناس:

فيا رب إن الناس لا ينصفونني فكيف ولو أنصفتهم ظلموني

وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه وإن شئت أبغي شيئهم منعوني

وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم وإن أنا لم أبذل لهم شتموني

وإن طرقتني نكبة فكهوا بها وإن صحبتني نعمة حسدوني

سأمنع قلبي أن يحن إليهمو وأحجب عنهم ناظري وجفوني

وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك ولرجل من قريش :

حسدوا النعمة لما ظهرت فرموها بأباطيل الكلم

وإذا ما الله أسدى نعمة لم يضرها قول أعداء النعم

ولقد أحسن من قال

اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتله

فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى :" ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين"[فصلت: 29] إنه إنما أراد بالذي من الجن إبليس والذي من الإنس قابيل، وذلك إن إبليس كان أول من سن الكفر، وقابيل كان أو من سن القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد. وقال الشاعر:

إن الغراب وكان يمشي مشيةً فيما مضى من سالف الأحوال

حسد القطاة فرام يمشي مشيها فأصابه ضب من التعقال

قوله تعالى :" فقد آتينا " ثم أخبر تعالى أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكاً عظيماً قال همام بن الحارث: أيدوا بالملائكة وقيل: يعني ملك سليمان عن ابن عباس . وعنه أيضاً : المعنى أم يحسدون محمداً على ما أحل الله له من النساء فيكون الملك العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعاً وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء والمراد تكذيب اليهود والرد عليهم في قولهم : لو كان نبياً ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوة عن ذلك فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان يوبخهم فأقرت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النبي صلى لاله عليه وسلم :

"ألف امرأة " قالوا: نعم ثلاثمائة مهرية ، وسبعمائة سرية، وعند داود مائة امرأة فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ألف عند رجل ومائة عند رجل أكثر أو تسع نسوة فسكتوا وكان له يومئذ تسع نسوة .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  لا تحاسدوا و لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و لا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم  لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره التقوى هاهنا - و أشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه  . ‌

الشاهد : قوله  r[ لا تحاسدوا]

(حديث الزبير بن العوام في صحيح الترمذي) أن النبي r قال :  دَبَّ إليكم داءُ الأممِ من قبلِكم  :  الحسدُ و البغضاء ، والبُغْضةُ هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقةَ الدين ، و الذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما يُثّبتُ ذلك  أفشوا السلام بينكم  . ‌

الشاهد : قوله  r[ دَبَّ إليكم داءُ الأممِ من قبلِكم  :  الحسدُ و البغضاء ]

 (  دب إليكم  )  أي سار إليكم

 (  داء الأمم قبلكم  )  أي عادة الأمم الماضية

 (  الحسد والبغضاء  ) 

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب احتقار المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه

من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب لأنه من الكبر الذي يهلك صاحبه لا محالة .

قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىَ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىَ أَن يَكُنّ خَيْراً مّنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) [سورة: الحجرات - الآية: 11]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :  

قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم "

قيل عند الله وقيل ( خيراً منهم ) أي معتقداً وأسلم باطناً ، والسخرية الاستهزاء .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  لا تحاسدوا و لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و لا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم  لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره التقوى هاهنا - و أشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه  . ‌

الشاهد : قوله  r[ المسلم أخو المسلم  لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره]

 

 (  المسلم  أخو المسلم  )  أي يجمعهما دين واحد  {  إنما المؤمنون إخوة  }  فهم كالأخوة الحقيقية وهي أن يجمع الشخصين ولادة من صلب أو رحم أو منهما بل الأخوة الدينية أعظم من الحقيقة لأن ثمرة هذه دنيوية وتلك أخروية  . ثم بين مقتضيات هذه الأخوة وحقوقها .

(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل  :  إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال  :  إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس  . ‌

الشاهد : قوله  r[ الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس]

[بَطَرُ الحقِ] : دفعه وعدم قبوله

[و غَمطُ الناس] أي احتقارهم وازدرئهم

(حديث جندب بن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي r قال :   قال رجل  : والله  لا يغفر الله لفلان  ! فقال الله تعالى  من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان ! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك .  

الشاهد : قوله  r[! فقال الله تعالى  من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان ! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك .  ]

فانظر رحمك الله تعالى كيف كان احتقار المسلم العاصي سبباً في إحباط عمل الذي احتقره واستقل شأنه .

  

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب التجسس على المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب

قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [سورة: الحجرات - الآية: 12]

الشاهد : قوله  تعالى [وَلاَ تَجَسّسُواْ]

 (ولا تجسسوا) حذف منه إحدى التاءين لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين)  أن النبي r قال : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً .

الشاهد : قوله  r[ ولا تجسسوا]

مسألة : ما الفرق بين التحسس بالحاء والتجسس بالجيم ؟

التجسس البحث عما يكتم عنك ، والتحسس ( بالحاء ) طلب الأخبار والبحث عنها ، وقيل : إن التجسس ( بالجيم ) هو البحث ، ومنه قيل : رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور ، وبالحاء : هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه .

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق عدم تتبع عورات المسلمين وزلاتهم فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب

 

(حديث معاوية في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : إذا قال العبد هلك الناس فهو أهلَكهم .

 

أُتيَّ ابن مسعود برجلٍ فقيل له : هذا فلانٌ تقطُرُ لحيته خمراً فقال : إنا قد نُهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .

 

(حديث أبي برزة الأسلمي في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :  يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان قلبه  !  لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم فمن يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ،  و من يتبع الله عورته يفضحه  في  بيته  . ‌

قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى : المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات .

  

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه من أفضل الأعمال وأجل القربات لأنه قطب الدين العظيم والمهمة التي بعث الله تعالى بها الأنبياء والمرسلين ، وهو كذلك سبب خيرية هذه  الأمة ، وبه يحصل النجاة من الهلكة .

قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة: آل عمران - الآية: 110]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :  

***.قوله تعالى : [ كنتم خير أمة أخرجت للناس ]  ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم

*** قوله تعالى : " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به . فإذا تركوا التغيير وتواطأوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم .

و قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [سورة: التوبة - الأية: 71]

و قال تعالى: (فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) [سورة: الأعراف - الآية: 165]

قال تعالى [فلما نسوا ما ذكروا به] أي فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة

[أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا] أي ارتكبوا المعصية "بعذاب بئيس" فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين .

(حديث أبي سعيد في صحيح مسلم) أن النبي r قال :   من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان  . ‌

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير شرح الجامع الصغير :

(  من رأى  منكم  منكراً  فليغيره  بيده  )  حيث كان مما يزال بها ككسر آلة لهو وآنية خمر  (  فإن لم يستطيع  )  الإنكار بيده بأن ظن لحوق ضرر به لكون فاعله أقوى منه

 (  فبلسانه  )  الواجب تغييره بلسانه  أي بالقول كاستغاثة أو توبيخ أو تذكير باللّه أو إغلاظ

(  فإن لم يستطع  )  ذلك بلسانه لوجود مانع كخوف فتنة أو خوف على نفس أو عضو أو مال محترم أو شهر سلاح  (  فبقلبه  )  ينكره وجوباً بأن يكرهه به ويعزم أنه لو قدر بقول أو فعل فعل وهذا واجب عيناً على كل أحد بخلاف الذي قبله فأفاد الخبر وجوب تغيير المنكر بكل طريق ممكن فلا يكفي الوعظ لمن يمكنه إزالته بيده ولا القلب لمن يمكنه باللسان

 (  وذلك  )  أي الإنكار بالقلب  (  أضعف الإيمان  )  أي خصاله فالمراد به الإسلام أو آثاره وثمراته فالمراد به حقيقة من التصديق وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل وصلاح الإيمان وجريان شرائع الأنبياء الكرام إنما يستمر عند استحكام هذه القاعدة في الإسلام قال القيصري  :  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أقوى شعب الإيمان بوجه وأضعفها بوجه فتغييره باليد واللسان أقوى وتغييره بالقلب أضعف الإيمان  . 

{تنبيه} : إذا أدى تغيير المنكر إلى منكراً أشد فإنه لا يجوز تغييره .

قال تعالى: (وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيّنّا لِكُلّ أُمّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمّ إِلَىَ رَبّهِمْ مّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [سورة: الأنعام - الأية: 108]

الشاهد : قوله تعالى [(وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ]

يقول الله تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين وهو "الله لا إله إلا هو"

** خطر التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

*************************************

إن التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمره خطير وشره مستطير ، وقد يكون سبباً في تعميم العقاب وعدم استجابة الدعاء .

قال تعالى: (لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ،كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) [سورة: المائدة /78، 79]

قوله: [لعن الذين كفروا من بني إسرائيل] أي لعنهم الله سبحانه "على لسان داود وعيسى ابن مريم" أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى.

 قوله: [ذلك بما عصوا] أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر.

** ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله تعالى[كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه]  أي لا ينهي بعضهم بعضاً عن فعل المعاصي   ، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكاً لفاعل المعصية ومستحقاً لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعاً قردة وخنازير "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" ثم إن الله سبحانه قال مقبحاً لعدم التناهي عن المنكر "لبئس ما كانوا يفعلون" أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره.

(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه  . 

 (  إن الناس  )  المطيقين لإزالة الظلم مع سلامة العافية  

(  إذا رأوا الظالم  )  أي علموا بظلمه  (  فلم يأخذوا على يديه  )  أي لم يمنعوه من الظلم بفعل أو قول  . 

(  أوشك  )  أي قارب أو أسرع  (  أن يعمهم اللّه بعقاب منه  )  إما في الدنيا أو الأخرى أو فيهما لتضييع فرض اللّه بغير عذر وزاد قوله منه زيادة في التهويل والزجر والتحذير وقد أفاد بالخبر أن من الذنوب ما يعجل اللّه عقوبته في الدنيا ومنه ما يمهله إلى الآخرة والسكوت على المنكر يتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات وركوب الذل من المظلمة للخلق وقد تبين بهذا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية لا عين  ،  إذ القصد إيجاد مصلحة أو دفع مفسدة لا تكليف فرد فرد فإذا أطبقوا على تركه استحقوا عموم العقاب لهم ** وفيه تحذير عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن فكيف بمن رضى فكيف بمن أعان؟ نسأل اللّه السلامة  .

(حديث حذيفة في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : لتأمُرنّ بالمعروف و لتنهَوْنَّ عن المنكر أو يبعث  الله عليكم عقاباً منه ، ثم تدعونه  فلا يستجاب لهم  .  ‌

*تغليظ عقوبة من أمر بالمعروف ونهى عم المنكر وخالف قوله فعله :

*******************************************

قال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة: البقرة - الآية: 44]

[أتأمرون الناس بالبر]  استفهام معناه  التوبيخ ، بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله: "وتنسون أنفسكم" مع التطهر بتزكية النفس والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاماً للناس وتلبيساً عليهم ، والنسيان هنا بمعنى الترك: أي وتتركون أنفسكم،

**وقوله: "وأنتم تتلون الكتاب" جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ وأبلغ تبكيت. أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أصل العلم العارفين بقبح هذا الفعل وشدة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه والآيات التي تقرأونها من التوراة .

اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ،ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها ، وبخهم به توبيخاً يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال : "أتأمرون الناس بالبر" الآية .

و قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [سورة: الصف /2 ،3]

الشاهد قوله تعالى [كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون]

و المقت أشد البغض .

(حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي r قال : يؤتى بالعالم  يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه  فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ويحك ما لك كنت  تأمرنا  بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم  بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم  عن المنكر وآتيه .

*معنى [ أقتابه] : أي أمعاءه

(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي r قال :  أتيت ليلة أسري بي على قوم تُقْرَضُ شفاهُهم بمقاريضَ من نار كلما قُرِضَتْ وَفَتْ فقلت  :  يا جبريل من هؤلاء  ؟  قال  :  خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون و يقرءون كتاب الله و لا يعملون به  . ‌

*الخصال الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر :

قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى :

********************** لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال :

1)                 رفيقٌ بما يأمر رفيقٌ بما ينهي

2)                 عدلٌ بما يأمر  عدلٌ بما ينهي

3)                 عالمٌ بما يأمر عالمٌ بما ينهي

 

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن لا يسألُ إلا الله تعالى

(حديث ابن عباس في صحيح الترمذي)   أن النبي r قال : يا غلام  !  إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك رفعت الصحف   و جفت الأقلام. ‌

الشاهد : قوله  r[ إذا سألت فاسأل الله]

(حديث ثوبان في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة ؟ فقال ثوبان أنا ، فكان لا يسأل الناس شيئاً .

(حديث ابن مسعود  في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته و من أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى إما بموت عاجل أو غنى عاجل  . ‌

  (من أصابته فاقة  )  أي شدة حاجة  (  فأنزلها بالناس  )  أي عرضها عليهم وسألهم سدَّ خلته  (  لم تسد فاقته  )  لتركه القادر على حوائج جميع الخلق الذي لا يغلق بابه وقصد من يعجز عن جلب نفع نفسه ودفع ضرها  

(  ومن أنزلها باللّه أوشك اللّه له بالغنى  )  أي أسرع غناه وعجله

(  إما بموت عاجل أو غنى عاجل  )   . 

  {تنبيه} : ألا فلينتبه من سأل الناس شيئاً أنه بمعزلٍ من التوفيق ومنأى من الرشاد ، لأنه سأل العبد الفقير الذي لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره ضراً ولا نفعاً .

قال وهب بن منبه لرجل يأتي الملوك  :  ويحك أتأتي من يغلق عنك بابه ويواري عنك غناه وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار ويظهر لك غناه؟ فالعبد عاجز عن جلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا اللّه تعالى . ‌

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق الاقتصاد في العزلة والمخالطة ، وجدير بالذكر أن لكل من العزلة والمخالطة فوائد وغوائل ، وأكثر الزهاد اختاروا العزلة منهم سفيان الثوري والفضيل وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي ، ومنهم من اختار المخالطة كسعيد بن المسيب وشُريح والشعبي .

*وفصل الخطاب في مسألة العزلة والخلطة أن يقتصد الإنسان في العزلة والمخالطة على التفصيل الآتي :

أولاً يأخذ بحظه من العزلة ليصون وقته الذي هو عمره ويستأنس بمناجاة ربه تعالى ويدارس الكتاب والسنة ، وعليه يحمل الأحاديث الآتية :

(حديث أبي سعيد في الصحيحين)  أن النبي r قال : قيل يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال : رجلٌ يجاهد بنفسه وماله ورجلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد الله ويدعُ الناس من شره .

الشاهد : قوله  r[ ورجلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد الله ويدعُ الناس من شره]

(حديث عقبة ابن عامر في صحيح الترمذي) قال قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ قال : أملك عليك لسانك ولْيسعك بيتُك وابكِ على خطيئتك .

قال عمر بن الخطاب رضيَ الله تعالى عنه : خذوا بحظكم من العُزلة .

وقال سعد بن أبي وقاص رضيَ الله تعالى عنه : لوددتُ أن بيني وبين الناس باباً من حديد لا يكلمني أحدٌ ولا أكلمه حتى ألقى الله سبحانه .

وقال داود الطائي رحمه الله تعالى : فِر من الناس كما تفر من الأسد .

{تنبيه} : لا تكون العزلة محمودة إلا بعد التفقه في الدين

قال الربيع بن خَيثم رحمه الله تعالى : [ تفقه ثم اعتزل] ، والعلم أصل الدين ولا خير في عزلة العوام . فلله دره رحمه الله تعالى فكلامه غاية في الصدق والتوفيق لأن اتباع السنة أولى من كثرة العمل ولا يمكن معرفة ذلك إلا عن طريق العلم .  

وسُئِلَ بعض العلماء : ما تقول في عزلة الجاهل ؟ قال : خبالٌ ووبال ، فقيل له : فالعالِم ؟ فقال : مالك ولها ؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها .

{تنبيه} : هذا الكلام غايةٌ في الصدق والتوفيق حيث شبه عزلة العالم بضالة الإبل ، فكما أن ضالة الإبل لا يُخشى عليها الضياع لأن معها   حذاؤها وسقاؤها ، فكذا عزلة العالم لا يُخشى عليها الضياع لأن معه الكتاب والسنة .

ثانياً : يأخذ بحظه من المخالطة : وعليه يحمل الحديث الآتي :

(حديث ابن عمر في صحيح الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال : المؤمنُ الذي يُخالطُ الناسَ و يصبرُ على أذاهُم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالطُ الناس و لا يصبرُ على أذاهم  . ‌

{ تنبيه} : ويجب على المسلم أن لا يخالط إلا من ينتفع بمخالطته فلا يخالط إلا إحدى ثلاث .

1)                 عالماً يتعلم منه

2)                 متعلماً يعلمه شيءٌ يبتغي به وجا الله تعالى

3)                 أحد إخوانه ممن يُحس فيهم الصدق والتقوى فيذكرون ويخبرونه بعيوبه وينصحونه نصائح أُخوية صادرةٌ عن إخلاصٍ وحسنِ طوية عساها أن تجد له في سمعه مسمعاً وفي قلبه موقعا ، عسى الله أن ينفعه بها ويوفقه إلى تطبيقها .

ولله در من قال :

لقاءُ النـاسِ ليـس يفيـــــدُ شيئــــا

 

ســـوى الهذيـان من قِيــــل وقال

فاقـلل من لقــاءِ النـــــــــاس إلا

 

لأخـذِ العلمِ أو إصـــــــلاحِ حـال

    

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن يذكر نفسه وغيره أن الجزاء من جنس العمل لكي يردع نفسه وغيره عن مجرد التفكير في إيذاء المسلمين ، فليس الأمر مفلوتاً وإنما الجزاء من جنس العمل ، ف

(حديث أبي صِرْمَةَ في صحيحي أبي داود والترمذي)  أن النبي r قال : من ضَارَّ أضرَ  الله به و من شاقَّ شاقَّ الله عليه  . ‌

 

‏  (  من ضارّ  )  بشد الراء أي أوصل ضرراً إلى مسلم بغير حق

(أضرَ  الله به اللّه به  )  أي أوقع به الضرر وشدد عليه عقابه في العقبى

 (  ومن شاق  )  بشد القاف أي أوصل مشقة إلى أحد بمحاربة أو غيرها

 (  شق اللّه عليه  )  أي أدخل عليه ما يشق عليه مجازاة له على فعله بمثله وأطلق ذلك ليشمل المشقة على چ

نفسه وعلى الغير بأن يكلف نفسه أو غيره بما هو فوق طاقته  . 

(حديث جابر في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلما في موطن يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِهِ و يُنْتَهَكُ فيه من حُرْمَتِهِ إلا خَذَلَه الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُ فيه نُصْرتِه و ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته  . ‌

  (ما من امرئ يخذل  )  بذال معجمة مضمومة قال تعالى  {  وإن يخذلكم  } 

  (  امرءاً مسلماً  )  أي لم يحل بينه وبين من يظلمه ولا ينصره

 (  في موضع ينتقص فيه من عرضه  )  بكسر العين  (  وينتهك فيه من حرمته  )  بأن يتكلم فيه بما لا يحل والحرمة هنا ما لا يحل انتهاكه قال الجوهري  :  انتهك عرضه بالغ في شتمه  (  إلا خذله اللّه في موطن يحب فيه نصرته  )  أي في موضع يكون فيه أحوج لنصرته وهو يوم القيامة فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم دنيوياً كان مثل أن يقدر على دفع عدو يريد البطش به فلا يدفعه أو أخروياً كأن يقدر على نصحه من غيه بنحو وعظ فيترك

 (  وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره اللّه في موطن يحب فيه نصرته  )  وهو يوم القيامة .

 

 ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق الإحسان إلى من يعمل تحت يديه

(حديث أبي هريرة في الصحيحين)  أن النبي r قال : إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه علاجه و دُخَانه فليجلسه معه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكله أو أكلتين  . ‌

  (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه  )  ليأكله. 

 (  قد كفاه علاجه  )  أي تحمل المشقة من تحصيل آلاته ومزاولة عمله

 (  ودخانه  )  بالتخفيف مقاساة شم لهب النار حال الطبخ نص عليه مع شمول ما قبله له لعظم مشقته

 (  فليجلسه معه  )  ندباً ليأكل   مكافأة له على كفايته حره وعلاجه وسلوكاً لسبيل التواضع المأمور به في الكتاب والسنة هذا هو الأفضل

 (  فإن لم يجلسه  معه  )  لعذر كقلة طعام أو لكون نفسه تعاف ذلك قهراً عليه ويخشى من إكراهها محذوراً أو لغير ذلك كمحبته للاختصاص بالنفيس أو لكون الخادم يكره ذلك حياء منه أو تأدباً

(  فليناوله أُكلة أو أُكلتين)  من الطعام بضم الهمزة ما يؤكل دفعة واحدة كلقمة   )  ما يؤكل كذلك بحسب حال الطعام والخادم ليرد ما في نفسه من شهوة الطعام وتنكسر سورة الجوع  .  

(حديث أنس في الصحيحين) قال : لما قدم رسول الله r المدينة أخذ أبو طلحة بيدي إلى رسول الله r فقال ي رسول الله إن أنساً غلامٌ كيسٌ فليخدمك ، قال فخدمته في الحضر ، فوالله ما قال لي لشيءِ صنعته لم صنعت هذا هكذا ، ولا لشيءٍ لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا .

(حديث المعرور في الصحيحين) قال لقيتُ أبا ذرٍ بالرَّبذة وعليه حُلة وعلى غُلامه حُلة فسألته عن ذلك فقال إني ساببتُ رجلاً فعيّرته بأُمه فقال لي النبي r  يا أبا ذر  !  إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فّلْيُطْعِمْه مما يأكل ولْيُلبِسْه مما يلبس ولا تُكَلفوهم ما يغلبهم ، فإذا كلفتموهم فأعينوهم   . ‌

(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) قال : كنت أضربُ غلاماً لي فسمعتُ من خلفي صوتاً : اعلم أبا مسعود للهُ أقدر عليك منك عليه ، فالتفتُ فإذا هو رسول الله ‌r فقلت ي رسول الله هو حرٌ لوجه الله فقال : أما لو لم تفعل للفحتك النار .

 

            

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق التحلي بآداب اللباس ، ومن هذه الآداب ما يلي :

أ‌)                   وجوب ستر العورة :

*************** قال تعالى: (يَابَنِيَ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ) [سورة: الأعراف - الآية: 31]

الشاهد قوله تعالى [يَابَنِيَ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ] : أي خذوا ما يستر عورتكم عند كل مسجد  ، وهذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت

(حديث ابن عباس في صحيح مسلم) قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة وتقول: من يعيرني تِطوافاً؟ تجعله على فرجها. وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية: "خذوا زينتكم عند كل مسجد".

و التِطواف (بكسر التاء).

{تنبيه} : هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان وارداً على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

(حديث معاوية بن حيدة في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قيل  :  إذا كان القوم بعضهم في بعض  ؟  قال  :  إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قيل  :  إذا كان أحدنا خاليا  ؟  قال  :  الله أحق أن يستحيا منه من الناس  . ‌

 (  احفظ عورتك  )  صنها عن العيون

(  إلا من زوجتك  )  بالتاء لغة وبدونها جاء القرآن

 (  أو ما ملكت يمينك   )  أي و الأمة فقد حل لك وطؤها

(  قيل  إذا كان القوم بعضهم في بعض  )  كأب وجد وابن وابنة أو المراد المثل لمثله كرجل لرجل وأنثى لأنثى .

  (  قال إن استطعت أن لا يرينها أحداً فلا يرينها )  أي  اجتهد في حفظها ما استطعت وإن دعت ضرورة للكشف جاز بقدرها

 (  قيل إذا كان أحدنا خالياً  )  أي في خلوة فما حكم ستر عورته حينئذ

 (  قال الله أحق أن يستحيا منه من الناس    )  أي أوجب أن يستحيا منه من الناس     ،وهو تعالى وإن كان لا يحجبه شيء ويرى المستور كما يرى العاري لكن رعاية الأدب تقتضي الستر ،

 قال بعض أهل العلم : هذا إشارة إلى مقام المراقبة فإن العبد إذا امتنع عن كشف عورته حياء من الناس فلأن يستحيي من ربه المطلع عليه في  كل حال وكل وقت أولى والداعي إلى المراقبة أمور أعظمها الحياء قيل إن إبراهيم بن أدهم صلى قاعداً ثم مد رجله فهتف به هاتف أهكذا تجالس الملوك فما مدها بعد أبداً وقال الحكيم من تعرى خالياً ولم يحتشم فهو عبد قلبه غافل عن الله لم يعلم بأن الله يرى علم اليقين ولذلك كان الصديق رضي الله تعالى عنه يقنع رأسه عند دخوله الخلاء حياء من الله تعالى وكان عثمان رضي الله تعالى عنه يغتسل في بيت مظلم حتى لا يرى عورة نفسه  . ‌

(حديث يعلى في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : إن الله حَييٌ سِتير يحبُ الحياءَ والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر .

(حديث عائشة في صحيحي  أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : ما من امرأة تضَعُ ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت السترَ بينها و بين الله  . ‌

2)                 استحباب لبس الثياب الطيبة الجميلة :

 (حديث أنس في الصحيحين) قال : كان أحب الثياب إلى النبي r الحِبَرَة  . ‌

[الحِبَرَة ] بُرْدٌ يماني من قطن ، وكانت أفضلَ الثياب عندهم .

( حديث ابن مسعود في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل  :  إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال  :  إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ وغَمْطِ الناس  . ‌

الشاهد قوله  r[ جميل يحب الجمال ] حين قيل له :  إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة .

3)                 استحباب التواضع في الثياب :

 (حديث عائشة في الصحيحين) أنها أخرجت كساءاً وإزاراً غليظاً فقالت : قُبِضَ رسول الله  r في هذين .

(حديث أبي أُمامةَ في صحيحي  أبي داود وابن ماجة) أن النبي r قال : البذاذةُ من الإيمان  . ‌

   (البذاذة  )  التقشف في الثياب و رثاثة الهيئة وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس إيثاراً للخمول بين الناس

 (  من الإيمان  )  أي من أخلاق أهل الإيمان إن قصد به تواضعاً وزهداً وكفاً للنفس عن الفخر والتكبر لا إن قصد إظهار الفقر وصيانة المال وإلا فليس من الإيمان من عرَّض النعمة للكفران وأعرض عن شكر المنعم المنان لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .

 فالحسن والقبح في أشباه هذا بحسب قصد القائم بها إنما الأعمال بالنيات .

 (حديث عبد الله بن عمرو في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .

4)                 اجتناب ثياب الشهرة :

 (حديث ابن عمر  في صحيحي  أبي داود وابن ماجة) أن النبي r قال : من لبس ثوبَ شُهْرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مَذَلةٍ ثم يُلْهِبُ فيه النار  . ‌

   (من لبس ثوب شهرة  )  الشهرة ظهور الشيء في شنعة بحيث يشتهر به

 (  ألبسه اللّه يوم القيامة ثوب مذلة)  ثوب مذلة أي يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن في ذلك الجمع الأعظم بأن يصغره في العيون ويحقره في القلوب لأنه لبس شهوة الدنيا ليفتخر بها على غيره .

 (  ثم يلهب فيه النار  )  عقوبة له بنقيض فعله والجزاء من جنس العمل فأذله اللّه كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة .

5)                 ذم التنعم :

(حديث معاذ في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إياك و التنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين  . ‌

  (إياك والتنعم فإن عباد اللّه ليسوا بالمتنعمين  )  لأن التنعم بالمباح وإن كان جائزاً لكنه يوجب الأنس به ثم إن هذا محمول على المبالغة في التنعم والمداومة على قصده .

6)                 تحريم إسبال الثياب :

كثُر الخلاف في مسألة إسبال الثياب من جِهة هل تحريم الإسبال معلقٌ على قصدِ الخيلاء أم لا ، وفصل الخطاب أن نقول أن الذي دلَّت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدلة  أن المسألة على التفصيلِ الآتي :

[1] أن إسبال الإزار إذا قُصد به الخيلاء فعقوبته لا يكلمه الله يوم القيامة و لا ينظر إليه و لا يزكيه و لهم عذاب أليم وعليه يُحمل :

(حديث أبي هريرة في الصحيحين )  أن النبي r قال : لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بَطَرا  . ‌

*(حديث ابن عمر في الصحيحين )  أن النبي r قال :  من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر  :  يا رسول اللّه إن أحد شِقَي ثوبي  يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال له  :  إنك لست ذلك خيلاء  . ‌

 (من جر ثوبه خُيلاء  )  الخيلاء  بضم الخاء  أي العجب والتكبر في

(  لم ينظر اللّه إليه  )  وفي رواية لمسلم فإن اللّه لا ينظر إليه نظر رحمة  ، 

(  يوم القيامة  )  خصه لأنه محل الرحمة المستمرة بخلاف رحمة الدنيا فقد تنقطع بما يتجدد من الحوادث  .

(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي r قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم  ، فقرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر  :  خابوا وخسروا من هم يا رسول اللّه قال :  المسبل إزاره و المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منه و المنفق سلعته بالحلف الكاذب  . ‌

   (ثلاثة  لا يكلمهم اللّه  )  تكليم رضى عنهم أو كلاماً يسرهم أو لا يرسل لهم الملائكة بالتحية وملائكة الرحمة ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال

 (  يوم القيامة  )  الذي من افتضح في جمعه لم يفز

 (  ولا ينظر إليهم  )  نظر رحمة وعطف ولطف

 (  ولا يزكيهم  )  يطهرهم من الذنوب أو لا يثني عليهم

 (  ولهم عذاب أليم  )  مؤلم يعرفون به ما جهلوا من عظمته واجترحوا من مخالفته

(  المسبل إزاره  )  أي المرخي له  ، وخص الإزار لأنه عامة لباسهم فلغيره من نحو قميص حكمه

 (  والمنان )   الذي لا يعطي غيره شيئاً إلا منَّ  أي اعتد به على من أعطاه أو المراد بالمن النقص من الحق والخيانة من نحو كيل ووزن ومنه  {  وإن لك لأجراً غير ممنون  }  أي منقوص

 (  والمنفق سلعته  )  بشد الفاء أي الذي يروج بيع متاعه

  (  بالحلف  الكاذب  )  أي الفاجر

[2] وإن كان  إسبال الإزار لم يُقصد به الخيلاء فعقوبته أن يُعَذَّب ما نزل من الكعبين بالنار وعليه يُحمل :

 (حديث أبي هريرة في صحيح البخاري )  أن النبي r قال : ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار  . ‌

  (ما أسفل )  أي ما هو أسفل  

( الكعبين  )  العظمين الناتئين عند مفصل الساق والقدم

 (  من الإزار  )  أي محل الإزار

 (  ففي النار  )  ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة له .

{تنبيه} : لا يصح حمل المطلق على المقيد هنا فنقول أن العذاب يلحق منت جرَّ ثوبه خيلاء لأن الحُكْمين مختلفان والسببين مختلفان ، ومتى اختلف الحكم والسبب امتنع حمل المطلق على المقيد لما يلزم من التناقض .

7)                 تحريم التبختر في الثياب :

(حديث أبي هريرة في الصحيحين )  أن النبي r قال : بينما رجل يمشي في حُلةٍ تُعْجِبْه نَفْسُه مُرَّجِلٍ رأسَه إذ خسف الله به فهو يتجلجلُ في الأرض  إلى يوم القيامة  . ‌

[يتجلجلُ] أي يغوص

8)                 تحريم الحرير على الرجال :

(حديث أنس في الصحيحين )  أن النبي r قال :  من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة  . ‌

 (من لبس الحرير في الدنيا  )  أي من الرجال كما أفاده الحديث المار " حرم الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحلّ لإناثهم "

(  لم يلبسه في الآخرة  )  أي جزاؤه أن لا يلبسه فيها لاستعجاله ما أمر بتأخيره .

(حديث أبي موسى في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال : حُرِّمَ لباسُ الحريرِ و الذهب على ذكور أمتي و أحل لإناثهم  . 

9)                 إباحة الأعلام من الحرير :

(حديث عمر  في الصحيحين )  قال : نهى رسول الله r لبس الحرير إلا موضع أُصبعين أو ثلاث أو أربع .

10)            إباحة لبس الحرير للتداوي :

(حديث أنس في الصحيحين )  أن النبي r رخَّص لعبد الرحمن بن عوفٍ والزبير في قميصٍ من حرير من حِكةٍ كانت بهما .

  • ·        الحِكة : الجرب

11)            تحريم الثوب المصبوغ بالعُصفر :

  ‌      (حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) قال : رأى رسول الله r عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين فقال :إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ، قلت أغسلها ؟ قال : لا أحرقها .

12)            تحريم  ‌ ثياب الكفار :

‌ (حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) قال : رأى رسول الله r عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين فقال :إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ، قلت أغسلها ؟ قال : لا أحرقها .

(حديث ابن عمر في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :  من تشبه بقوم فهو منهم  . ‌

 (من تشبه بقوم  )  أي تزيا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم أي وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر الباطن

 (  فهو منهم  )  قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : هذا الحديث أقل أحواله التحريم

 

13)            يحرُم على الرجال لبس الثياب الخاص بالمرأة :

استحباب لبس القميص :

(حديث أم سلمة في صحيحي أبي داود والترمذي)  قالت : رضي الله تعالى عنها : كان أحب  الثياب إلى النبي r   القميص  . ‌

(كان أحب الثياب إلى النبي r   )  من جهة اللبس

  (  القميص  )  أي كانت نفسه تميل إلى لبسه أكثر من غيره من نحو رداء أو إزار لأنه أستر منهما وأيسر لاحتياجهما إلى حل وعقد بخلافه فهو أحبها إليه لبساً والحبرة أحبها إليه رداء فلا تدافع بين حديثيهما .

16) دعاء لبس الجديد :

(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داود والترمذي)  قال : كان إذا استجد ثوبا سمَّاه باسمه قميصا أو عمامة ثم يقول  :  اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره و خير ما صنع له و أعوذ بك من شره و شر ما صنع له  . ‌

(  كان إذا استجد ثوباً  )  أي لبس ثوباً جديداً  

(  سمَّاه  )  أي الثوب  (  باسمه قميصاً  )  أي سواء كان قميصاً    أو عمامة بأن يقول رزقني اللّه هذه العمامة  . 

(  ثم يقول اللّهم لك الحمد أنت كسوتنيه)  

(  أسألك من خيره  وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له  )  وقال ابن العربي  :  خير ما صنع له استعماله في الطاعة وشر ما صنع له استعماله في المعصية وفيه ندب للذكر المذكور لكل من لبس ثوباً جديداً. 

(حديث معاذ بن أنس الجُهَنِي  في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من أكل طعاما ثم قال  :  الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام و رَزَقَنِيه من غير حول مني و لا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه و من لبس ثوبا فقال  :  الحمد لله الذي كساني هذا و رَزَقنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر  . ‌

17)               لبس العمامة :

(حديث جابر في صحيح الترمذي) قال دخل النبي r مكة يوم الفتح وعليه عمامةٌ سوداء .

(حديث ابن عمر  في صحيح الترمذي) قال : كان النبي r إذا أعتم سدَلَ عِمامته بين كتفيه .

18)              آداب لبس النعل :

[1] إذا انتعل فليبدأ باليمين  و إذا انتزع  فليبدأ بالشمال .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين)  أن النبي r قال :  إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين  و إذا انتزع  فليبدأ بالشمال  لتكون اليمنى أولهما تُنْعَل و آخِرْهُما تُنْزَع  . ‌

 (إذا انتعل أحدكم  )  أي لبس نعله  (  فليبدأ   باليمين )

 (  وإذا انتزع  )  نعله أي نزعه وبه جاءت رواية  (  فليبدأ  )  ندباً

 ( بالشمال  )  أي يخلعها لأن اللبس كرامة للبدن إذ هو وقاية من الآفات واليمين أحق بالإكرام فبدئ بها في اللبس وأخرت في النزع ليكون الإكرام بها أدوم وصيانتها وحفظها أكثر كما أشار إليه بقوله  ( لتكون اليمنى أولهما تُنْعَل و آخِرْهُما تُنْزَع  ).

[2] لا يمش في نعلٍ واحد  لِيُحْفِهما  جميعا  أو ليُنْعِلْهُما جميعا. ‌

 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين)  أن النبي r قال :  لا يمش أحدكم في نعلٍ واحد  لِيُحْفِهما  جميعا  أو ليُنْعِلْهُما جميعا. ‌

[لِيُحْفِهما] أي ليجردهما

[3] أن لا ينتعل الرجل و هو قائم  . ‌

 

(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة)  قال : نهى  النبي r  أن ينتعل الرجل و هو قائم  . ‌

  (نهى أن ينتعل الرجل وهو قائم  )  والأمر للإرشاد لأن لبسها قاعداً أسهل وأمكن ومنه أخذ

[4] الإكثار من  النعال

(حديث جابر في صحيح الجامع) أن النبي r قال : أكثروا من هذه النعال فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل  . ‌

19)              آداب لبس النساء :

فصل الخطاب في آداب لبس النساء يكون في ارتياد الحجاب الشرعي الذي فرضه الله تعالى عليهن ستراُ لهنّ وحفاظاً عليهنّ .

وإليك بعض فضائل الحجاب الشرعي :

1)                 الحجاب طاعةٌ لله تعالى ولرسوله r ، وقد أوجب الله تعالى طاعته وطاعة رسوله r

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً) [سورة: الأحزاب - الآية: 36]

الشاهد قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ]

فأعلم الله تعالى أنه  لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله .

وقد أمر الله تعالى بالحجاب فقال تعالى: (وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة: النور - الآية: 31]

الشاهد قوله تعالى [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ]

 

(وليضربن بخمرهن على جيوبهن) أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع

 

الخُمُر جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، ومنه اختمرت المرأة

والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص،

قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن، وكانت جيوبهن من قدام واسعة.

وقال تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً) [سورة: الأحزاب - الآية: 59]

 (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم تسليما أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهن - بأن يدنين عليهم من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء والجلباب هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة (ذلك أدنى) أقرب إلى (أن يعرفن) بأنهن حرائر (فلا يؤذين) بالتعرض لهن بخلاف الاماء فلا يغطين وجوههن فكان المنافقون يتعرضون لهن (وكان الله غفورا) لما سلف منهن لترك الستر (رحيما) بهن إذ سترهن

2)الحجاب إيمان :

لأن الله تعالى لم يخاطب به إلا المؤمنات لقوله تعالى (وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ) [سورة: النور - الآية: 31]

وقال تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً) [سورة: الأحزاب - الآية: 59]

2)                 الحجاب طهارة :

3)                  قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ ً) [سورة: الأحزاب - الأية: 53]

4)                 الشاهد قوله تعالى : (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ ً) [سورة: الأحزاب - الأية: 53]

فبين الله تعالى أن الحجاب طهارةٌ لقلوب المؤمنين والمؤمنات .

و آية الحجاب هذه  مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال وافق ربي عز وجل في ثلات قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي "وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن فأنزل الله آية الحجاب وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما تمالأن عليه في الغيرة "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن "فنزلت كذلك .

4) الحجاب عفة :

لقوله تعالى يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً) [سورة: الأحزاب - الآية: 59]

الشاهد قوله تعالى : (ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ) أي ذلك أحرى أن يعرفن بأنهن عفيفات بلبسهن الحجاب ، (فَلاَ يُؤْذَيْنَ) أي لا يتعرضُ لهن الفساق بأذى من قولٍ أو فعل .

5)                 الحجاب ستر :

قال تعالى: (يَابَنِيَ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلّهُمْ يَذّكّرُونَ) [سورة: الأعراف - الآية: 26]

قال عبد الرحمن بن أسلم : يتقي فيواري عورته ، فذاك لباس التقوى ،  ولذلك تجد وظيفة اللباس عند من لا يتقون الله تعالى ولا يستحون منه كعامة الغربيين مثلاً لا يتجاوز غاية الزينة والرياش ، وأما المؤمنون المتقون فإنهم يحرصون على اللباس أولاً لستر العورة التي يستحي من إظهارها ثم بعد ذلك لهم سعة في إظهار الزينة والتجمل  .

(حديث يعلى بن أمية في صحيحي أبي داود والنسائي) أن النبي r قال : إن الله حييٌ سِتِّير يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر . 

{ تنبيه} : وجدير بنا هنا أن نلفت النظر إلى تعريف التبرج ثم ذكر مساوئ التبرج حتى تجتنبه المؤمنات وتحترز منه وتفرُ منه فرارها من الأسد فإنه من قبائح الذنوب وفواحش العيوب ، ومن صفات الجاهلية الأولى التي أتى الإسلام لتطهير النفوس من دنسها .

* التبرج هو إظهار الزينة وإبراز المرأة لمحاسنها ،  وهاك بعض مساوئ التبرج والعياذ بالله .

1)                 التبرج من صفات أهل النار :

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  صنفان من أهل النار لم أرهما:  رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ  مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا  . ‌

 الشاهد قوله r [و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ  مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا  ] ‌

 

  (  ونساء  كاسيات  )  في الحقيقة  (  عاريات  )  في المعنى لأنهن يلبسن ثياباً رقاقاً يصف البشرة ، يسترن بعض بدنهن ويكشفن بعضه إظهاراً للجمال  

( مائلاتٌ مميلاتٌ)  مائلات متبخترات في مشيتهن مميلات أكتافهن وأكفالهن ،أو مائلات للرجال مميلات قلوبهم إلى الفساد بهم بما يبدين من زينتهن .

  (  رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة  )  أي يُعَظِّمْنَ رؤوسهن بالخُمُرِ والعمائم  التي يلففنها على رؤوسهن حتى تشبه أسنمة الإبل  

(  لا يدخلن الجنة  )  مع الفائزين السابقين أو مطلقاً إن استحللن .

  (  ولا يجدن ريحها  )  أي الجنة  (  وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا  )  كناية عن خمسمائة عام أي يوجد من مسيرة خمسمائة عام كما جاء مفسراً في رواية أخرى  . 

2)                 التبرج جاهليةٌ منتنة : قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ) [سورة: الأحزاب - الآية: 33]

الشاهد قوله تعالى : [ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ]

 (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال .

(حديث ابن عباس في صحيح البخاري)  أن النبي r قال : أبغض الناس إلى الله ثلاثة  :  مُلْحِدٌ  في الحرم ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ بغير حق ليهريق دمه .

الشاهد قوله r [ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية]

(  مبتغ  )  طالب  (  في الإسلام  )  أي في دينه  (  سنة الجاهلية  )  أي إحياء طريقة الجاهلية ، ومنها التبرج والعياذ بالله .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :

[سنة الجاهلية] : اسم جنس يعم جميع ما كان أهل الجاهلية يعتمدونه .

3)                 التبرج معصيةٌ لله ورسوله :

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري)  أن النبي r قال : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قيل:  ومن يأبى يا رسول اللّه؟  من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد أبى  . ‌

 (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى  )  بفتح الهمزة والموحدة بامتناعه عن قبول الدعوى أو بتركه الطاعة التي هي سبب لدخولها لأن من ترك ما هو سبب شيء لا يوجد بغيره فقد أبى أي امتنع .

قال  :   (  من أطاعني  )  أي انقاد وأذعن لما جئت به  (  دخل الجنة  )  وفاز بنعيمها الأبدي  ،  بين أن إسناد الامتناع عن الدخول إليهم مجاز عن الامتناع لسببه وهو عصيانه بقوله  (  ومن عصاني  )  بعدم التصديق أو بفعل المنهي  (  فقد أبى  )    فله سوء المنقلب بإبائه والموصوف بالإباء إن كان كافرا لا يدخل الجنة أصلا أو مسلماً لم يدخلها مع السابقين الأولين .

والمعنى : من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة ومن اتبع هواه وزل عن الصواب وخل عن الطريق المستقيم دخل النار .

(حديث فضالة بن عبيد في صحيح الأدب المفرد) أن النبي r قال : ثلاثةٌ لا تسأل عنهم : رجلٌ فارق الجماعة وعصى إمامه فمات عاصياً ، وأمةٌ أوعبدٌ أبق فمات ، وامرأةٌ غاب عنها زوجها فتبرجَّت بعده ، فلا تسأل عنهم .

معنى  [ لا تسأل عنهم : أي لا تسأل عن هلكتهم] أي هلاكهم محقق ، ومن بينهم المرأة المتبرحة .

{تنبيه} ويجدر بنا هنا أيضاً بعد ذكر مساوئ التبرج أن نذكر شروط الحجاب الشرعي حتى تلتزمه المؤمنات على قاعدة عرفت فالزم .

*شروط الحجاب الشرعي :

للحجاب الشرعي شروطٌ ثمانية هي :

1)                       استيعاب جميع البدن حتى الوجه على الراجح

2)                       أن لا يكون زينةً في نفسه

3)                       أن يكون صفيقاً لا يشف

4)                       أن يكون فضفاضاً لا يصف .

5)                       أن لا يكون مُبخراً مطيباً

6)                       أن لا يشبه لباس الرجل

7)                       أن لا يشبه لباس الكافرات

8)                       أن لا يكون لباس شهرة

وإليك تفصيل ذلك :

[الشرط الأول] استيعاب جميع البدن حتى الوجه على الراجح

قال تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً) [سورة: الأحزاب - الآية: 59]

الشاهد قوله تعالى [يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ]

والجلباب : ثوبٌ أكبر من الخمار تستر به جميع بدنها حتى وجهها إلا ما ترى به الطريق .

{تنبيه} : ممن قال أن المقصود بقوله تعالى [يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ] هو ستر جميع البدن حتى الوجه إلا ما ترى به الطريق جملةٌ من الأئمة منهم الإمام الطبري والقرطبي وابن كثير والرازي والزمخشري والنسفي وابن حبان ، وجلال الدين المحليّ وجلال الدين السيوطي والشنقيطي وعبد الرحمن بن ناصر السعدي وغيرهم .

و قال تعالى: (وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ )

الشاهد قوله تعالى[وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ]

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : [ الخُمُر] التي تغطي الرأس والوجه والعنق ، والجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لا بسها إلا العينان .

(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان  . ‌

الشاهد قوله  r [المرأة عورة] وهوقولٌ عام يشمل جميع البدن حتى وجهها .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : كل شيءٍ منها عورة حتى ظفرها .

(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي r قال : ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القُفازين)

الشاهد قوله  r [ولا تنتقب المرأة المحرمة] هذا دليلٌ واضح على لبس النقاب في غير الإحرام لأنه من محظورات الإحرام .

(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة  :  يا رسول اللّه فكيف تصنع النساء بذيولهن قال  :  يرخين شبراً قالت  :  إذن تنكشف أقدامهن قال  :  فترخيه ذراعاً لا يزدن عليه  .

قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى : في الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة وأنه معلوم عند نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين إتفاقاً ، وعليه فيجب ستر الوجه من باب أولى . 

[ الشرط الثاني] أن لا يكون زينةً في نفسه

لقوله تعالى: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ )

                                                                [ النور /31]

قال العلامة الألباني حفظه الله تعالى : المقصود من الأمر بالجلباب سترُ زينة المرأة فلا يعقل حينئذٍ أن يكون الجلباب نفسه زينة .

 

[ الشرط الثالث] : أن يكون صفيقاً لا يشف :

وذلك لأن الستر لا يتحقق إلا بالصفيق ، أما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنةً وزينة

 

 (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال :  صنفان من أهل النار لم أرهما:  رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ  مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا  . ‌

 الشاهد قوله r [و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ  مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهُن كأسنمةِ البُخت المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا  ] ‌

 

  (  ونساء  كاسيات  )  في الحقيقة  (  عاريات  )  في المعنى لأنهن يلبسن ثياباً رقاقاً يصف البشرة ، يسترن بعض بدنهن ويكشفن بعضه إظهاراً للجمال  

( مائلاتٌ مميلاتٌ)  مائلات متبخترات في مشيتهن مميلات أكتافهن وأكفالهن ،أو مائلات للرجال مميلات قلوبهم إلى الفساد بهم بما يبدين من زينتهن .

  (  رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة  )  أي يُعَظِّمْنَ رؤوسهن بالخُمُرِ والعمائم  التي يلففنها على رؤوسهن حتى تشبه أسنمة الإبل  

(  لا يدخلن الجنة  )  مع الفائزين السابقين أو مطلقاً إن استحللن .

[ الشرط الرابع] : أن يكون فضفاضاً لا يصف .

وذلك لأن الغرض من الثياب رفع الفتنة ، واللباسُ الضيقة يحصل بها الفتنة لأنها وإن كانت تستر لون البشرة إلا أنها تصف حجم الجسم أو بعضه .

(حديث أسامة بن زيد في المسند) قال : كساني رسول الله  r قُبطيةً كثيفةً مما أهداها له دحيةُ الكلبي فكسوتها امرأتي فقال : ما لك لم تلبس القُبطية ؟ قلت كسوتها امرأتي . فقال : مُرْها فلتجعل تحتها غِلاله فإني أخافُ أن تصف حجم عِظامها .

[ الشرط الخامس أن لا يكون مبخراً ] :

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة  . ‌

)  أيما  امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة  ‌ )  فيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال  . ‌

(حديث أبي موسى في صحيح النسائي) أن النبي r قال :  أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية و كل عين زانية  . ‌

(  أيما امرأة استعطرت  )  أي استعملت العطر أي الطيب يعني ما يظهر ريحه منه  (  ثم خرجت فمرت على قوم  ليجدوا ريحها  )  أي بقصد ذلك

  (  فهي زانية  )  أي كالزانية في حصول الإثم وإن تفاوت لأن فاعل السبب كفاعل المسبب قال الطيبي  :  شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي هي بمنزلة رائد الزنا بالزنا مبالغة وتهديداً وتشديداً عليها  (  وكل عين زانية  )  أي كل عين نظرت إلى محرم من امرأة أو رجل فقد حصل لها حظها من الزنا إذ هو حظها منه وأخذ بعض المالكية من الحديث حرمة التلذذ بشم طيب أجنبية لأن اللّه إذا حرم شيئاً زجرت الشريعة عما يضارعه مضارعة قريبة وقد بالغ بعض السلف في ذلك حتى كان ابن عمر رضي اللّه عنه ينهى عن القعود بمحل امرأة قامت عنه حتى يبرد . 

[ الشرط السادس أن لا يشبه لبس الرجل ] :

(حديث ابن عباس في صحيح البخاري) قال لعن رسول الله rالمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال .

[ الشرط السابع أن لا يشبه لبس الكافرات ] :

‌ (حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) قال : رأى رسول الله r عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين فقال :إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ، قلت أغسلها ؟ قال : لا أحرقها .

(حديث ابن عمر في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :  من تشبه بقوم فهو منهم  . ‌

 (من تشبه بقوم  )  أي تزيا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم أي وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر الباطن

 (  فهو منهم  )  قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : هذا الحديث أقل أحواله التحريم

 

[ الشرط الثامن أن لا يكون لبس شهرة ] :

(حديث ابن عمر  في صحيحي  أبي داود وابن ماجة) أن النبي r قال : من لبس ثوبَ شُهْرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مَذَلةٍ ثم يُلْهِبُ فيه النار  . ‌

   (من لبس ثوب شهرة  )  الشهرة ظهور الشيء في شنعة بحيث يشتهر به

 (  ألبسه اللّه يوم القيامة ثوب مذلة)  ثوب مذلة أي يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن في ذلك الجمع الأعظم بأن يصغره في العيون ويحقره في القلوب لأنه لبس شهوة الدنيا ليفتخر بها على غيره .

 (  ثم يلهب فيه النار  )  عقوبة له بنقيض فعله والجزاء من جنس العمل فأذله اللّه كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة .

 

ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق التحلي بآداب الزينة ، ومن هذه الآداب ما يلي :

[1] إكرام الشعر : ويكون إكرام الشعر بتسريحه ودهنه وتنظيفه :

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :  من كان له شعر فليكرمه  . ‌

 

 (  من كان له شعر فليكرمه  )  بتعهده بالتسريح والترجيل والدهن ولا يتركه حتى يتشعث ويتلبد لكنه لا يفرط في المبالغة في ذلك للنهي عن الترجل إلا غباً  .  

[2] النهي عن الترجل إلا غباً :

(حديث عبد الله بن المُغَفَّل في صحيحي أبي داود والترمذي) قال نهى  النبي rعن الترجل إلا غباً  .

 (  نهى عن الترجل  )  أي التمشط أي تسريح الشعر

 (  إلا غباً  )  أي يوماً بعد يوم فلا يكره بل يسن فالمراد النهي عن المواظبة عليه والاهتمام به لأنه مبالغة في التزيين لأن ذلك من فعل المتنعمين

(حديث معاذ في صحيح الجامع)  أن النبي r قال : إياك و التنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين  . ‌ 

[3] إباحة الضفائر :

(حديث أم هانئ في صحيحي أبي داود والترمذي) قالت : قدم النبي r إلى مكة وله أربع غدائر أي ضفائر .

[4] النهي عن القزع :  والقزع هو السحاب المتفرق ، والمقصود به حلق بعض الشعر وترك بعضه بحيث يشبه السحاب المتفرق

(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي r نهى عن القَزْع .

(حديث ابن عمر في صحيح مسلم) أن النبي r رأى صبياً حُلِق بعض رأسه وترك بعضاً فنهى عن ذلك وقال : احلقوه كُله أو اتركوه كله .

 الشاهد قولهr [احلقوه كُله أو اتركوه كله]

 فإن الحلق لبعض الرأس وترك بعضه مثله ويسمى القزع فهو مكروه مطلقاً تنزيهاً إلا لعذر سواء كان لرجل أو امرأة ذكره النووي وسواء كان في القفا أو الناصية أو الوسيط خلافاً لبعضهم وأكده بقوله كله دفعاً لتوهم التجوز بإرادة الأكثر وذلك لما فيه من التشويه وتقبيح الصورة والتعليل بذلك كما قال القرطبي أشبه منه بأنه زي أهل الدعارة والفساد وبأنه زي اليهود وفهم من إطلاقه عموم النهي كما لو ترك منه مواضع متفرقة أو حلق الأكثر وترك محلاً واحداً وهذا من كمال محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه فنهاه عن حلق بعض وترك بعض لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسياً وبعضه عارياً ونظيره المشي في نعل واحدة وقوله احلقوه كله يدل على جواز الحلق وهو مذهب الجمهور .

[5] النهي عن نتف الشيب :

 

(حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم  يوم القيامة  . ‌

(حديث كعب بن مُره في صحيحي الترمذي والنسائي) أن النبي r قال : من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة  . ‌

  (من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة  )  أي يصير الشيب نفسه نوراً يهتدي به صاحبه ويسعى بين يديه في ظلمات الحشر إلى أن يدخله الجنة والشيب وإن لم يكن من كسب العبد لكنه إذا كان بسبب من نحو جهاد أو خوف من اللّه ينزل منزلة سعيه فيكره نتف الشيب من نحو لحية وشارب وعنفقة .

[6] استحباب تغيير الشيب بالحناء والكَتَم :

(حديث أبي ذر في صحيح السنن الأربعة) أن النبي r قال : إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب  :  الحناء و الكََََتَم  . ‌

(الكََََتَم) : نبات يجعل الشعر أسوداً مائلاً إلى الحُمرة .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : إن اليهود و النصارى لا يصبغون فخالفوهم  . ‌

(إن اليهود والنصارى لا يصبغون  )  لحاهم وشعورهم

 (  فخالفوهم  )  بأن تصبغوها   . 

 [7] تحريم الخِضاب بالسواد :

(حديث جابر في صحيح مسلم) قال أُتيَ بأبي قُحافة يوم الفتح ورأسه ولحيته كالثغامةِ بياضاً فقال النبي r غيروا هذا بشيء و اجتنبوا السواد  . ‌

(حديث ابن عباس في صحيحي أبي داود والنسائي) أن النبي r قال : يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة  . ‌

[8] تحريم اتخاذ النساء قُصة ً من شعر :

(حديث معاوية في الصحيحين) أن النبي r قال : هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم – يعني قُصةً من شعر .

[9] تحريم الوصل والوشم والنمص للنساء :

(حديث ابن عمر  في الصحيحين) أن النبي r قال : لعن الله الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة

(  لعن اللّه الواصلة  )  التي تحاول وصل الشعر بيدها  

(والمستوصلة  )  التي تطلب ذلك وتطاوعها على فعله بها قال القرطبي  :  ووصله

أن يضاف إليه شعر آخر يكثر به ، هذا نص في تحريم وصل الشعر بشع

 (  والواشمة والمستوشمة  )  وذلك كله حرام

(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي r قال :  لعن الله الواشمات و المستوشمات و النامصات و المتنمصات و المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله  . ‌

 (  لعن اللّه الواشمات  )  جمع واشمة وهي التي تشم غيرها  (  والمستوشمات  )  جمع مستوشمة وهي التي تطلب الوشم

( والنامصات ) جمع متنمصة المتنمصات  بتاء ثم نون قال في التنقيح  :  وروى بتقدم النون على التاء ومنه قيل للمنقاش منماص لأنه ينتف وهي التي تطلب إزالة شعر الوجه والحواجب بالمنقاش

 (  والمتفلجات  )  بالجيم  (  للحسن  )  أي لأجله جمع متفلجة وهي التي تفعل الفلج في أسنانها أي تعانيه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة فلجاء صنعة وذلك بترقيق الأسنان

  (  المغيرات خلق اللّه  )  هي صفة لازمة لمن تصنع الثلاثة فلا يجوز للمرأة تغير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص التماساً للتحسن للزوج ولا غيره. 

[10] استحباب الطيب :

(حديث أنس في صحيح البخاري) أن النبي r كان لا يرد الطيب  . ‌

  (كان لا يرد الطيب  )  لأنه كما في خبر مسلم خفيف المحمل طيب الريح ولا منة في قبوله ومن العلة أخذ أن المراد بالطيب الريحان بل نص خبر مسلم من عرض عليه ريحان

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المَحمِل طيب الريح  . ‌

(  من عرض عليه ريحان  )  أي نبت طيب الريح من أنواع المشموم

 (  فلا يرده  )  برفع الدال على الفصيح المشهور  (  فإنه خفيف المحمل  )  بفتح الميم الأولى وكسر الثانية مصدر ميمي أي قليل المنة  (  طيب الريح  )  تعليل ببعض العلة لا بتمامها والمراد لا يرده لأنه هدية قليلة نافعة ولا مؤونة فيها ولا منة ولا يتأذى المهدي بها فردها لا وجه له ، وفيه الترغيب في استعمال الطيب وعرضه من يستعمله  . 

(حديث أبي سعيد في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : المسكُ أطيب الطيب  . ‌

{تنبيه} : يجدر بنا هنا أن نبين الفرق بين طيب الرجل وطيب المرأة

(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي والنسائي )  أن النبي r قال : طِيب الرجال ما ظهر ريحُه و خَفِيَ لونُه و طِيبُ النساءِ ما ظهر لونُه و خَفِيَ ريحُه  . ‌

(طيب الرجال  )  اللائق بهم المناسب لشهامتهم  (  ما ظهر ريحه وخفي لونه  )  كالمسك والعنبر قال العامري  :  نبه المصطفى صلى اللّه عليه وسلم على أدبه للرجال وللنساء ففيما ظهر لونه رعونة وزينة لا يليق بالرجولية  (  وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه  )  أي إذا أرادت الخروج أما عند زوجها فتتطيب بما شاءت  . 

[11] النهي عن المبالغة في التطيب :

(حديث أنس في الصحيحين) قال : نهى النبي r  أن يتزعفر الرجل  . ‌

*والتزعفر : هو التلطخ بالزعفران .

[12] تحريم الطيب الذي تخرج رائحته للنساء خارج البيت :

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة  . ‌

)  أيما  امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة  ‌ )  فيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال  . ‌

(حديث أبي موسى في صحيح النسائي) أن النبي r قال :  أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية و كل عين زانية  . ‌

(  أيما امرأة استعطرت  )  أي استعملت العطر أي الطيب يعني ما يظهر ريحه منه  (  ثم خرجت فمرت على قوم  ليجدوا ريحها  )  أي بقصد ذلك

  (  فهي زانية  )  أي كالزانية في حصول الإثم وإن تفاوت لأن فاعل السبب كفاعل المسبب قال الطيبي  :  شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي هي بمنزلة رائد الزنا بالزنا مبالغة وتهديداً وتشديداً عليها  (  وكل عين زانية  )  أي كل عين نظرت إلى محرم من امرأة أو رجل فقد حصل لها حظها من الزنا إذ هو حظها منه وأخذ بعض المالكية من الحديث حرمة التلذذ بشم طيب أجنبية لأن اللّه إذا حرم شيئاً زجرت الشريعة عما يضارعه مضارعة قريبة وقد بالغ بعض السلف في ذلك حتى كان ابن عمر رضي اللّه عنه ينهى عن القعود بمحل امرأة قامت عنه حتى يبرد . 

[13] تحريم خاتم الذهب للرجال :

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r نهى عن خاتم الذهب .

(حديث أبي موسى في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال : حُرِّمَ لباسُ الحريرِ و الذهب على ذكور أمتي و أحل لإناثهم  . 

[14] إباحة خاتم الفضة :

(حديث أنس في صحيح البخاري  ) أن النبي r كان خاتمه من فضة فصه منه  . ‌

[15] يوضع خاتم الفضة تارةً في اليد اليمنى وتارةً في اليد اليسرى :

فصل الخطاب في مسألة هل يُلبس خاتم الفضة في يده اليمنى أم اليسرى

أن نقول أنه ورد في السنة الصحيحة أن النبي   r لبس الخاتم في يده اليمنى وورد أيضاً انه لبسه في يده اليسرى ، وهذا هو اختلاف التنوع وليس اختلاف التضاد ، والصواب فيه أن يلبس الخاتم في اليد اليمنى تارةً وفي اليد اليسرى تارةً  .

(حديث أنس في صحيح مسلم ) قال كان خاتم رسول الله r في هذه ، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى .

(حديث عليّ في صحيح النسائي) أن النبي   r كان يلبس خاتمه في يمينه .

{تنبيه} ورد النهي عن التختم في الوسطى والتي تليها

(حديث عليّ في صحيح مسلم) قال : نهاني رسول الله  r أن أتختم في هذه أو هذه ، فأومأ إلى الوسطى والتي تليها .

[16] الاقتصاد في الفراش فلا يُتخذ للزينة بغير حاجة :

(حديث جابر في صحيح مسلم ) أن النبي   r قال : فراش للرجل و فراش لامرأته و الثالث للضيف و الرابع للشيطان  . ‌

(  فراش للرجل وفراش لامرأته  ) 

 (  والثالث للضيف  )  أي فراش واحد كاف للرجل وهكذا

 (  والرابع للشيطان  )  لأنه زائد على الحاجة وسرف واتخاذه مماثل لعرض

الدنيا وزخارفها فهو للمباهاة والاختيال والكبر وذلك مذموم وكل مذموم يضاف

إلى الشيطان لأنه يرتضيه ويحث عليه .

 

[17] لا يُتخذ الجرس في الدواب للزينة :

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي   r قال : لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب و لا جرس  . ‌

  (لا تصحب الملائكة  )  وفي رواية لا تقرب  ،  وفي أخرى لا تتبع وهو يبين أن المراد بنفي الصحبة نفي مجرد اللقاء لا في الملازمة والمراد ملائكة الرحمة والاستغفار لا الحفظة ونحوهم  (  رفقة  )  بضم الراء وكسرها جماعة مترافقة في سفر  (  فيها كلب  )  ولو لحراسة الأمتعة سفراً كما اقتضاه ظاهر الخبر قال القرطبي وهو قول أصحاب مالك قال  :  لكن الظاهر أن المراد غير المأذون في اتخاذه لأن المسافر يحتاجه  

(  ولا جرس  )  بفتح الراء الجلجل وبسكونها صوته وذلك لأنه من مزامير الشيطان والملائكة ضده ولأنه يشبه الناقوس فيكره تنزيهاً عند الشافعية جرس الدواب  ،  وقال ابن العربي المالكي  :  لا يجوز بحال لأنها أصوات الباطل وشعار الكفار اهـ  .  وزعم أن ذلك شعار الكفار ممنوع  ،  ومما فيه من المضارّ أنه يدل على أصحابه بصوته وكأنه عليه السلام يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة  ،  وعطف ولا جرس على فيها كلب وإن كان مثبتاً لأنه في سياق النفي  ،  وذكر الرفقة في الحديث غالبي فلو سافر وحده كره له صحبة الجرس والكلب لوجود المعنى ولا يختص الحكم بجرس الإبل والخيل والبغال والحمر كذلك بل وعنق الرجل كما ذكره الزين العراقي  . 

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي   r قال : الجرس مزامير الشيطان  . ‌

 

مسألة : ماهو فضل إقراء السلام ؟

من أفضل الخصال التي يتحلى به المسلم إقراء السلام لأنه من أفضل خصال الإسلام بنص السنة الصحيحة ، ثم إنه من الأمور التي تجلب المحبة وتنشرها بين الناس ويترتب عليها الأجر الوفير .

(حديث عبد الله ابن عمرو في الصحيحين) أن رجلاً سأل النبي r أيُ الإسلام خير ؟ قال : تُطعم الطعام وتُقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم  ؟  أفشوا السلام بينكم

 (حديث عبد الله ابن سلام في صحيح الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال : أيها الناس أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام .

(حديث أنس في صحيح الأدب المفرد) أن النبي r قال : إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض فأفشوا السلام بينكم  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح الأدب المفرد) أن النبي r قال : أبخل الناس من بخل بالسلام وإن أعجز الناس من عجز بالدعاء ,

(حديث هانئ ابن يزيد في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إن من موجبات المغفرة بذلَ السلام وحسنَ الكلام .

(حديث أنس في صحيح الجامع ) أن النبي r قال إن ليهود ليحسدونكم على السلام والتأمين .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : حق المسلم على المسلم خمس  :  رد السلام و عيادة المريض و اتباع الجنائز و إجابة الدعوة و تشميت العاطس  . ‌

(حديث عمران ابن حصين في صحيحي أبي داود والترمذي) قال جاء رجلٌ إلى النبي r فقال السلام عليكم فقال r : عشر حسنات ، وجاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فقال : عشرون ، ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال ثلاثون .

 

آداب الســـلام 

للسلام آدابٌ ينبغي على الإنسان أن يتحلى بها منها ما يلي :

1)رد السلام بتحيةٍ أحسن مثلها أو مثلها امتثالاً لقوله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ) ( النساء / 86)

2) يسلم  الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : يسلم  الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير

3) من السنة التسليم على الصبيان

(حديث أنس في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال : كان النبي r يفعله .

4) ويجوز السلام على مجموعة من النساء

(حديث أسماء بنت يزيد في صحيحي أبي داود والترمذي) قالت : مرّ علينا النبي r في نسوة ٍ فسلَّم علينا .

{تنبيه} : إذا كانت المرأة واحدة فالأولى ألا يسلم عليها مخافة الفتنة ولا سيما إن كانت شابة لأن النبي r أخبر أنه ما ترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء  

(حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي r قال : ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُ على الرجال من النساء .

6)                 إذا اصطحب رجلان مسلمان فحال بينهما شجرٌ فليسلم أحدهما على الآخر

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه  . ‌

7)                 لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : لا تبدءوا اليهود و لا النصارى بالسلام و إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه  . ‌

 

التحلي بالمصافحة من الرجل للرجل

مسألة : ما هي فضل المصافحة ؟

ويستحب مصافحة الرجل للرجل لما فيها من غفران الذنوب

(حديث البراء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا  . ‌

{تنبيه} : مصافحة الرجل للمرأة حرام قطعاً بنص السنة الصحيحة

(حديث معقل ابن يسار في صحيح الجامع) أن النبي r قال لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له   . ‌

*معنى مخيط : هو ما يخاط به كالإبرة والمسلة

من حديد : خصَّه لأنه أصلب من غيره وأشد في الطعن وأقوى في الإيلام

(حديث أميمة بنت رقيقة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إني لا أصافح النساء .

 

التحلي بشكر المعروف

 

مسألة : ما هو فضل شكر المعروف ؟ 

ينبغي على المسلم أن يتحلى بشكر المعروف فإن ذلك مما حث عليه النبي r كما بيَّن r أن من لم يشكر الناس لا يوفق لشكر الله تعالى

(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داود والنسائي) أن النبي r قال  : من استعاذكم بالله فأعيذوه و من سألكم بالله فأعطوه و من دعاكم فأجيبوه و من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من لا يشكرُ الناس لا يشكرُ الله .

 

 

 

 

 

 التخلي عن رذيلة كثرة الكلام

مسألة : ما هي مساوئ كثرة الكلام ؟

يجب على طالب العلم أن يتخلى عن كثرة الكلام فإنه من كثُر كلامه كثُر خطؤه ، وقد بينت السنةُ الصحيحة أن الإنسان الكثير الكلام من أبغض الناس إلى رسول الله r وأبعدهم منه مجلساً يوم القيامة

(حديث جابر في صحيح الترمذي) أن النبي  r قال :  إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من  أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً  يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا  :  يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون  فما المتفيهقون  ؟  قال  :  المتكبرون  . ‌

*معنى الثرثارون : كثيري الكلام

*معنى المتشدقون : الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم

 

التخلي عن رذيلة التحدث بكل ما سمع 

 (حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي  r قال : كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما يسمع

  .(حديث ابن مسعود في صحيح أبي داود ) أن النبي  r قال : بئس مطية الرجل زعموا . ‌

{تنبيه} : شبه النبي  r من لم يتثبت في كلامه بمن ركب مطية مذمومة غير محمودة وذلك لأنه يجب عليه أن يتثبت قبل أن يتكلم .

( حديث المعيرة في الصحيحين ) أن النبي  r قال : إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات ، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال .

الشاهد من الحديث : قوله  r   وكره لكم قيل وقال ، وهو التحديث بهذه الصيغة التي تسبه زعموا والتي تفيد التحدث بدون تثبت .

 

التخلي عن الكذب 

يجب على طالب العلم أن يحفظ لسانه من الكذب ، وقد حذر النبي r من الكذب ، وورد النكير الشديد  في السنة الصحيحة على الكذب  ، فقد بين النبي r أن الكذب والعياذ بالله يهدي إلى الفجور وهو جوامع الشر والفجور يهدي إلى النار والعياذ بالله ، وبين كذلك أن الكذب من صفات المنافقين ، ولذا كان أبغض الخلق إليه الكذب .

(حديث ابن مسعود في الصحيحين ) أن النبي r قال : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر و إن البر يهدي إلى الجنة و ما يزال الرجل يصدق و يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار و ما يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا  . ‌

(حديث ابن عمر في صحيح البخاري ) أن النبي r قال : أفرى الفِرى أن يُريَ الرجل عينيه ما لم تريا . 

(حديث عائشة في صحيح الجامع) قالت : كان أبغض الخلق إليه الكذب . 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين ) أن النبي r قال : آية المنافق ثلاث  :  إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا ائتمن خان  .  ‌

(حديث عبد الله ابن عمرو في الصحيحين ) أن النبي r قال : أربعٌ من كن فيه كان منافقا خالصا و من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها  :  إذا ائتمن خان و إذا حدث كذب و إذا عاهد غدر و إذا خاصم فجر  . ‌

*تحريم الكذب في الرؤيا :

**************** 

(حديث ابن عباس في صحيح البخاري ) أن النبي r قال : من تحلَّم بحُلمٍ لم يره كُلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل ، ومن استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون صُبَّ في أُذنيه الآنكُ يوم القيامة ، ومن صور صورةً عُذِّب وكُلِّفَ أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ .

*معنى من تحلَّم: أي قال أنه رأى رؤيا ولم يرى

معنى   أن يعقد بين شعيرتين : هذا دليل على استمرار العذاب لأن العقد بين طرفي الشعيرة لا يمكن ولذا قال النبي r ولن يفعل  ، وهذا نظير قوله تعالى: (إِنّ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّىَ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) [الأعراف / 40] 

(حديث ابن عمر في صحيح البخاري ) أن النبي r قال : أفرى الفِرى أن يُريَ الرجل عينيه ما لم تريا . 

*تحريم الكذب لإضحاك القوم :

******************* 

(حديث معاوية ابن حيدة في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال :ويلٌ للذي يُحَدِّثُ فيكذبُ ليضحك به القوم ويلٌ له ويلٌ له   . ‌

{تنبيه} : ويجوز الكذب في ثلاثة أمور هي : : الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها .

(حديث أم كلثوم بنت عقبة في الصحيحين) أن النبي r قال : ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا  . ‌

زاد مسلم (ولم أسمعه يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها )

*جواز المعاريض :

************ (حديث عمران ابن حُصين في صحيح الأدب المفرد موقوفاً) قال إن في المعاريض لمندوحةٌ عن الكذب .

معنى مندوحة : سعة

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما يرني بمعاريض الكلام حُمُرُ النعم .

وقال بعض السلف : كان لهم كلامٌ يدرؤون به عن أنفسهم العقوبة ، فقد لقي رسول الله  r طليعةً للمشركين وهو في نفرٍ من أصحابه فقال المشركون ممن أنتم ؟ فقال النبي  r نحن من ماء . فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا : أحياء اليمن كثيرةٌ لعلهم منهم وانصرفوا .

وأراد النبي  r بقوله (من ماء) قوله قال تعالى: (خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ) [الطارق / 6]

وكان حماد رحمه الله تعالى إذا جاء إليه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه وقال ضِرسي ضِرسي .

وسئل أحمد عن المروزي وهو عنده ولم يرد أن يخرج إلى السائل فوضع أحمد أصبعه في كفه وقال ليس المروزي هاهنا وماذا يصنع المروزي ها هنا .

 التخلي عن الغناء والاحتراز منه 

قال تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ) [لقمان / 6]

قال ابن عباس وابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم : أن لهو الحديث في الآية هو الغناء .

وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى : أن قول أبن عباس وابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم هو أعلى ما ورد في تفسير الآية .

(حديث أبي مالك الأشعري في صحيح أبي داود) أن النبي  r قال : ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف .

*معنى يستحلون الحر : الحِر أي الفروج ، يستحلون الحر أي يستحلون الفروج أي الزنا والعياذ بالله ، والمعازف آلات اللهو

{تنبيه} : هذا الحديث ذكره البخاري تعليقاً وهو موصولاً في صحيح أبي داود

*ونهى النبي  r عن بيع القينات أي المغنيات وعن شرائهن وبين أن ثمنهن حرام

(حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي  r قال : لا تبيعوا القينات و لا تشتروهن و لا تعلموهن و لا خير في تجارة فيهن و ثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية  {  و من الناس من يشتري لهو الحديث  }  الآية  . ‌

*وبين النبي  r أن ظهور المغنيات والمعازف من أسباب حلول العذاب في هذه الأمة من الخسف والمسخ والقذف

(حديث عمران ابن حُصَين في صحيح الترمذي ) أن النبي  r قال : في هذه الأمة خسف و مسخ و قذف فقال رجلٌ من المسلمين : يا رسول الله ومتى ذلك ؟ إذا ظهرت القيان و المعازف و شربت الخمور  . ‌

معنى القيان : أي المغنيات

 

التخلي والاحتراز من الشعر المحرم  

مما يُجدر ذكره في هذا المقام أن الشعر ليس كله مذموم ولا محرم بل هو بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام بنص السنة الصحيحة

(حديث عائشة في صحيح الجامع ) أن النبي r قال :  الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام و قبيحه كقبيح الكلام  . ‌

*أولاً النوع الجائز منه :

*************** هو ما يكون فيه مدحٌ للإسلام والمسلمين ونصرة الحق وأهله ، وعليه تحمل الأحاديث الآتية

(حديث أبي ابن كعب في الصحيحين) أن النبي r قال : إن من الشعرِ حكمة .

وقد يكون الشعر من الجهاد باللسان

(حديث أنس في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم .  

(حديث أنس في صحيحي الترمذي والنسائي) أن النبي r دخل  مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول

خلوا بنـي الكفــــارِ عن ســــبيله

 

اليــــومَ نضـربكم علي تنـــزيله

ضــرباً يَزِيلُ الهـامَ عن مَقِيــــــله

 

ويـذهلُ الخليـلُ عن خليلـــــــه

 فقال عمر : يا ابن رواحة ! بين يدي رسول الله r وفي حرم الله عز وجل تقول الشعر ! فقال النبي r : خلِّ عنه يا عمر فلهي أسرعُ فيهم من نضح النَّبل .

{تنبيه} : هذا النوع من الشعر المحمود يجب على طالب العلم أن يراعي فيه أن لا يشغل وقته كله أو معظمه  بحيث يشغله عن الكتاب والسنة والعلوم الشرعية ،   فلو حصل ذلك لكان محرماً .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال ?  لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا  . ‌

الشاهد من الحديث : أن النبي r عبَّر بالامتلاء ، فنبه أنك أيها الإنسان لو ملئت جوفك قيحاً خيرٌ لك من أن تملأه شعراً ، وعلى هذا فيؤخذ من الشعر بقدر الحاجة فقط .

*ثانياً النوع المحرم :

************* وهو ما كان فيه مدحٌ بالباطل أو ذمُ قومٍ بالباطل أو قول زورٍ أو بهتان ،  وعليه يحمل قوله تعالى: (وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ224،أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ،وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ) [الشعراء /  226:224   ]

*ومنه الهجاء بغير حق

(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : إن أعظم الناس عند الله فرية  :  لرجل هاجى رجلا فهجا القبيلة بأسرها و رجل انتفى من أبيه و زنى أمه  . ‌

 

التخـلي عن رذيلة الغيبة 

تعريف الغيبة :

*********  الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي r قال : أتدرون ما الغيبة  ؟ قالوا الله ورسوله أعلم . قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال :  إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته  . ‌

و الغيبة من آفات اللسان التي يجب على طالب العلم أن يحفظ لسانه منها ، وجاء في الكتاب والسنة الصحيحة النكيرُ الشديد والنهي الأكيد عن ارتكاب هذه الرذيلة

قال تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [الحجرات / 12]

الشاهد من الآية : أن الله تعالى نهى عن الغيبة ، والأصل في الأمر التحريم ، وشبه المغتاب بأكل الميتة ،

والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يدل على تحريم الغيبة منها

(حديث عائشة في صحيحي أبي داود والترمذي ) قالت قلت للنبي r حبكَ من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال : لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت  بماء البحر لمزجته .

*معنى مزجته : أي خالطته مخالطةً شديدةً يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها ، وهذا من الزجر .

(حديث سعيد ابن زيد في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : أربى الربا الاستطالة في عِرض المسلم بغير حق .

(حديث أبي برزة في صحيح أبي داود ) أن النبي r قال : يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان قلبه  !  لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم ، فمن اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته .

{تنبيه} : في الحديث تحذير من الغيبة والوعيد لمن يتبع عورات المسلمين وكسف مساويهم أن يتبع الله عورته ويكشف مساويه على قاعدة الجزاء من جنس العمل .

(حديث أنس في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : لما عرج بي ربي عز و جل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجههم و صدورهم فقلت  :  من هؤلاء يا جبريل  ؟  قال  :  هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم  . ‌

*معنى يخمشون : يخدشون

(حديث المستورد ابن شداد في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم و من اكتسى برجل مسلم ثوبا فإن الله يكسوه مثله من جهنم و من قام برجل مسلم مقام سمعة و رياء فإن الله يقوم به مقام سمعة و رياء يوم القيامة  . ‌

الشاهد : في الحديث الوعيد الشديد لمن أكل برجلٍ مسلم أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه أو بتعريضه للأذية عند من يعاديه . 

مسألة : ما يصنع من سمع غيبة أخيه ؟

من سمع غيبة أخيه وجب عليه  أن يرد عن عرض أخيه

(حديث أبي في صحيح الترمذي) أن النبي r قال ?  من ردَّ عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة  . 

(حديث أسماء بنت يزيد في صحيح الجامع) أن النبي r قال : ?من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار  . 

(حديث جابر في صحيح أبي داود ) أن النبي r قال :ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته و ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته  . ‌

مسألة : ماهي الأمور التي يجوز فيها الغيبة ؟

قال النووي رحمه الله تعالى : تباح الغيبة لغرضٍ صحيحٍ شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها ، وهي ستة أسباب :

1)                 التظلم : فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولايةٌ أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلانٌ بكذا .

2)                 الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه أو نحو ذلك .

3)                 الاستفتاء : بأن يقول للمفتي ظلمني فلان بكذا ، فهل له ذلك وما الطريق في دفع ظلمه عني .

4)                 تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه : منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين للحاجة . ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو معاملته أو مجاورته أو غير ذلك ، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة لأن المستشار مؤتمن بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود ) أن النبي r   قال : المستشار مؤتمن .

ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد على مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم فعليه أن ينصحه ببيان حاله قاصدا النصيحة . ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة 

5)                 أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر

6)                 التعريف : فإذا كان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج والقصير والأعمى ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصاً ولو أمكن تعريفه بغيرها كان أولى .

وهاك الأدلة على ذلك :

*الدليل على جواز الغيبة في حالتي التظلم والاستفتاء

(حديث عائشة في الصحيحين )  قالت : قالت هند بنت عتبة يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف  

*والدليل على جواز غيبة أهل الفساد

( حديث عائشة في الصحيحين ) قالت استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه .

(حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم ) قالت : أتيت النبي r  فقلت   إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطبا ني فقال رسول الله r    أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له .

والدليل على جواز الغيبة للاستعانة على تغيير المنكر

( حديث زيد ابن أرقم في الصحيحين ) قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا }  من حوله وقال { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل }  فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل قالوا كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله عز وجل تصديقي في { إذا جاءك المنافقون } فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم

التخلي عن رذيلة النميمة

مسألة : ما هي النميمة ، وما خطرها ، وما أدلة تحريمها ؟

النميمةُ نقل الكلام بين الناس بغرضِ الإفساد ،

خطر النميمة : النميمة أمرها خطير وشرها مستطير وهي من قبائح الذنوب وفواحش العيوب وهي تشبه سحر التفريق لأنها يحصل بها التفريق بين الأحباب ، والنميمة أشر من السحر وذلك لأن النمَّام يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة . والنمَّام فيه شبهٌ من الشيطان من جهة الحرص على التحريش بين المسلمين    .

قال تعالى: (هَمّازٍ مّشّآءِ بِنَمِيمٍ، مّنّاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) [القلم /12،11)

وقوله تعالى "هماز" قال ابن عباس وقتادة يعني الاغتياب "مشاء بنميم" يعني الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة

 

والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يشين النمام ويدل على أنه غارقٌ في القبائح إلى الأذقان ، ومنها ما يلي :

(حديث حذيفة في الصحيحين )  أن النبي r قال : لا يدخل الجنة قتَّات.

*معنى قتات : أي نمَّام

{تنبيه} : قال الحافظ ابن حجر في الفتح :

*************************

معنى ( لا يدخل الجنة قتَّات ) : أي لا يدخلها في أول وهلة .

وهذا هي عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة ، فإنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بشيء من المعاصي ما لم يستحله  .

(حديث ابن عباس في الصحيحين ) قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"

{تنبيه} : قال النووي رحمه الله تعالى : معنى (وما يعذبان في كبير) أي  ما يعذبان في كبير في زعمهما ، وقيل  ما يعذبان في كبير تركه عليهما .

(حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي  r قال :  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام و الصلاة و الصدقة  ؟  إصلاح ذات البين،  وفساد ذات البين هي الحالقة  . ‌

(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : ألا أنبئكم ما العَضَةُ ؟ هي النميمةُ القالةُ بين الناس .

معنى العضة : الكذب والبهتان

مسألة :ما الذي يجب على من حُملت إليه النميمة أن يفعله ؟

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى :

********************** وكل من حملت إليه نميمةٌ وقيل له فلانٌ يقول فيك كذا ستة أمور :

الأول : أن لا يصدِّقه لأن النمام فاسق .

الثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبِّح له فعله

الثالث  : أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيضٌ عند الله تعالى ، ويجب بغض من أبغضه الله تعالى

الرابع   : ألا يظن بأخيه الغائب السوء

الخامس : أن لا يحمله ما حُكِي له على التجسس والبحث عن ذلك .

السادس  : أن لا يرضى لنفسه  ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته عنه فيقول فلان حكى كذا فيصير به نماماً ، ويكون آتياً ما نهى عنه .

التخلي عن رذيلة ذي الوجهين

 

وهذه الرذيلة من قبائح الذنوب وفواحش العيوب ، فذي الوجهين من شرار الناس يوم القيامة بنص السنة الصحيحة ، ومن كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نارٍ يوم القيامة .

وقال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى :

*********************** أن ذي الوجهين من جملة صور النمام وإنما كان ذو الوجهين من شرار الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مفسدٌ بين الناس فيأتي كل طائفة بما يرضيها ويظهر لها أنه منها ومخالفٌ لضدها ، وهذا عملُ النفاق والخداع وهي مداهنة محرمة .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه .

(حديث عمار ابن ياسر في صحيح أبي داود) أن النبي r قال من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح الأدب المفرد) أن النبي r قال لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً .

 

من آفات اللسان التي يجب على المسلم أن يتخلى عنها ويحفظ لسانه منها رذيلة الفحش والبذاءة ، فإنها من قبائح الذنوب وفواحش العيوب  ، فيجب على المؤمن ألا يخرج من فيه إلا الطيب .

(حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح البخاري) قال لم يكن فاحشا ولا متفحشا وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أخيركم أحسنكم خلقا .

*وبين النبي r أن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه .

 ( حديث عائشة في الصحيحين ) قالت استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه . 

(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : ليس المؤمن بالطعان و لا اللعان و لا الفاحش و لا البذيء  . ‌

التخلي عن رزيلة الغضب

 

 ويجب على المسلم أن يتخلى عن الغضب لأن الغضب يجعل الإنسان مفلوت الزمام مما يقوده إلى عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة ، والإنسان إذا كان غضبه يقوده لعب به الشيطان كما يلعب الصبيان بالكرة ، وترك الغضب وصية النبي r بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن رجلاً قال للنبي r أوصني . قال لا تغضب . فردد مراراً قال : لا تغضب .

(حديث أبي الدرداء في صحيح الجامع) أن النبي r قال لا تغضب ولك الجنة .

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : ليس الشديد بالصُرعة و إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب  . 

(حديث معاذ ابن أنس في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء  . ‌

 

{تنبيه} : أن كظم الغيظ يمكن اكتسابه بترويض النفس فلا ينبغي للإنسان أن يستوطئ العجز ولا أن يقول أنني جُبلت على ذلك فإنه من يتحرى الخير يُعطه ومن يتق الشر يُوَقَّه بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع)  أن النبي r قال : إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه  . ‌

مسألة : ما هي كيفية علاج الغضب ؟

هناك عدة أدوية نافعةٌ بإذن الله تعالى لعلاج الغضب منها :

1)                 الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة: الأعراف - الآية: 200]

(حديث سليمان بن صرد في الصحيحين ) قال : استب رجلان عند النبي r ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبَّاً قد احمر وجهه فقال النبي r   : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال  :  أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ‌

2)                 تغيير الحالة التي كان عليها الغضبان :

(حديث أبي ذرٍ في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي  r قال :إذا غضب أحدكم و هو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب و إلا فليضطجع  . ‌

3)                 استحضار ما ورد في ثواب كظم الغيظ :

(حديث معاذ بن أنس الجُهَنِّي في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي  r قال : من كظم غيظا و هو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء.

4) أن يسكت :

(حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي  r قال : إذا غضب أحدكم فليسكت .   

4)                 أن يُروِّض نفسه على الحلم والأناة وكظم الغيظ فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتقِ الشر يُوَقَّه .

مسألة : كيف يكتسب الإنسان فضيلة كظم الغيظ حتى تصير من صفات ؟

يكتسب الإنسان ذلك بشيئين :

*أحدهما :  ترويض النفس على الخير ، فإن النفس إذا روضتها على الخير اكتسبت هذا الخلق وصار من صفاتها فإنه من يتحر الخير يعطه بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يوقه  . ‌

  • ·        (  ومن يتحر الخير يعطه  )  أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه

والثاني الصدق : فإن الله تعالى إذا اطَّلع على قلبك ورأى منك الصدق أوصلك إلى ما تصبو إليه .

(حديث شداد بن الهادي في صحيح النسائي)  أن النبي r قال : إن تصدق الله يصدقك  . ‌

 

 

 

 

{تنبيه} : يستحب الغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى لأن ذلك من تعظيم حرمات الله تعالى

قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ) [سورة: الحج - الآية: 30]‌

والغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى من هَدْي النبي r

(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في الصحيحين) قال ،قال رجل يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوِّل بنا فلان فما رأيت رسول الله أشد غضباً من يومئذٍ فقال يا أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة .

(حديث عائشة في الصحيحين ) قالت : ما خير رسول الله   r بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه ، وما انتقم رسول الله r لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله بها  .

*****

التخلي عن رذيلة السباب

 

(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي r قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما  يعتدِ المظلوم  . ‌

معنى ( فعلى البادئ منهما ما  يعتدِ المظلوم ) أي إثم السباب الواقع بيت الاثنين يقع على البادئ منهم ما لم يتجاوز المظلوم قدر الانتصار .

(حديث ابن عمر في صحيح الجامع)  أن النبي r قال :    إذا سبَّك رجلٌ بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فيكون أجر ذلك لك و وباله عليه  . ‌

{تنبيه} : ومن جملة النهي عن السباب النهي عن سب الديك لأنه يوقظ للصلاة وكذلك النهي عن سب الشيطان لأنه يتعاظم ويقول بقوتي صرعته

(حديث زيد ابن خالد في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع)  أن النبي r قال :   لا تسبوا الشيطان و تعوذوا بالله من شره  . ‌

(حديث أبي المليح في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت و يقول  :  بقوتي صرعته و لكن قل  :  باسم الله فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يصير مثل الذباب  . ‌

 

التخلي عن آفة التكلم فيما لا يعنيه

 

 

(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال : من حسن إسلامِ المرء تركُهُ ما لا يعنيه .

التخلي عن آفة كثرة المزاح

 

 

يجب على المسلم إذا أراد إصلاح قلبه أن يتجنب كثرة المزاح لأن كثرة المزاح تؤدي إلى كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب بنص السنة الصحيحة

( حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي r قال :  كن قنعا تكن أعبد الناس  ، وارض بما قسم الله تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك  تكن مؤمنا  ، وأحب للناس ما تحب لنفسك  تكن مسلما ، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب  . ‌

ولهذا ما كان النبي r يضحك إنما كان يبتسم

 

( حديث عائشة في الصحيحين ) قالت ما رأيت رسول الله r ضاحكاً حتى أرى لهواته إنما كان يبتسم .

(حديث جرير ابن عبد الله في الصحيحين ) قال ما رآني رسول الله r منذ أن أسلمت إلا تبسم في وجهي .

{ تنبيه } يجوز للإنسان أن يمزح إن لم يكن كثيراً بشرط أن يكون مزحه صدقاً فإن فيه إجماماً للقلوب وتفريجاً للكروب .

 

 ( حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال : إني لا أقول إلا حقاً .

 

(حديث معاوية ابن حيدة في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال :ويلٌ للذي يُحَدِّثُ فيكذبُ ليضحك به القوم ويلٌ له ويلٌ له   . ‌

{تنبيه} : ومما يجب اجتنابه في المزح أن لا يأخذ متاع أخيه على سبيل المزاح ، وكذلك يحرم عليه أن يروِّع أخيه على سبيل المزح

(حديث يزيد ابن سعيد في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال لا يأخذ أحدكم متاع أخيه  لاعباً و لا جاداً و من أخذ عصا أخيه فليرُدَّها   . ‌

(حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى في صحيح أبي داود) أن النبي r قال : لا يحلُ لمسلمٍ أن يُروِّعَ مسلماً .

التخلي عن رذيلة شهادة الزور وحفظ اللسان منها

 

 

إن شهادة الزور من قبائح الذنوب وفواحش العيوب ، وقد حرمها الله تعالى لأنها تكون سبباً في إبطال الحق وإظهار الباطل والعياذ بالله ، وقد أمر الله تعالى في كتابه باجتناب قول الزور

 

قال تعالى: (فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزّورِ) [سورة: الحج - الآية: 30]

وقد أثنى الله تعالى على عباد الرحمن بكونهم لا يشهدون الزور

 

قال تعالى: (وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ وَإِذَا مَرّواْ بِاللّغْوِ مَرّوا كِراماً) [سورة: الفرقان - الآية: 72]

وشهادة الزور من أكبر الكبائر بنص السنة الصحيحة

(حديث أبي بكرة في الصحيحين) أن النبي r قال : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله و عقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال ألا وقول الزور   وشهادة الزور  ‌فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت .

حفظ اللسان من قذف المحصنات والعياذ بالله

 

يحب على المسلم أن يحفظ لسانه من قذف المحصنات فإنه من الذنوب الموبقات التي تهلك صاحبها .

قال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء

فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ

الْفَاسِقُونَ ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ

رَّحِيمٌ ، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ

فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) { النور : من 6:4}

و قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) { النور : 23، 24}

 (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : اجتنبوا السبع الموبقات  :  قالوا يا رسول الله وما هنَّ ؟ قال :  الشرك بالله و السحر و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق و أكل الربا و أكل مال اليتيم و التولي يوم الزحف و قذف المحصنات الغافلات المؤمنات  . ‌

التخلي عن الجدال العقيم

من آفات اللسان التي يجب على المسلم أن يحترز منها ويتخلى عنها ويحفظ لسانه منها الجدال العقيم الذي لا يكن قصده بيان الحق وهداية الخلق ، وكان قصده مجرد المغالبة والعلو والظهور والعياذ بالله تعالى من ذلك .

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال : أبغض الرجال إلى الله  :  الألدُّ الخَصِم  . ‌

معنى الألدُّ : شديد اللدودة أي الجدال

معنى الخَصِم : شديد الخصومة

وقد بين النبي r  أنه ما ضل قوم بعد هدى إلا استو طئوا الجدال واتخذوه مركباً ، وبئس المطية هو يصل بصاحبه إلى الهاوية السحيقة ويبعده عن جادة الاستقامة . وعلى ذلك فيجب على من رام السلامة في دينه أن يجتنب الجدال العقيم اجتناب السم القاتل والداء العضال وألا يحوم حوله ولا يقترب منه وإلا كانت العاقبة وخيمة فإنه شرٌ كله . 

((حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال :ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل  . ‌

{تنبيه} : وقد ندب النبي  r إلى ترك الجدال وإن كان محقاً للتخلص من هذا الداء الوبيل .

(حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا  ، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا  ، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه  . ‌

معنى زعيم : أي ضمين

معنى ربض الجنة : حولها خارجٌ عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن .

التخلي عن شهوة الخصومة والاحتراز منها

 

ويجب على المسلم أن يتخلى عن شهوة الخصومة ويحترز منها وألا يحوم حولها ولا يقترب منها فإنها خلقٌ شرٌ كله فهي تحمل على الحقد والكراهية والحسد وصاحبها ممقوت عند الله تعالى بنص الكتاب و السنة الصحيحة  .

قال تعالى (  وَمِنَ  النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ {البقرة 206:204}

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال : أبغض الرجال إلى الله  :  الألدُّ الخَصِم  . ‌

معنى الألدُّ : شديد اللدودة أي الجدال معنى الخَصِم : شديد الخصومة

{تنبيه} : ويجب على المسلم أن يتجنب الخصومة بينه وبين أخيه لأن هذا هو هدف الشيطان وبغيته عليه لعنة الله ، فالشيطان عليه لعائن الله المتتابعة تترى من غير انفصال يُحَرِّش بين الناس ويوقع بينهم الخصومات والعياذ بالله . 

(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي r قال : إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب وركن في التحريش بينهم .

معنى أيس : أي يأس

حفظ اللسان من الحلف بغير الله

 

 يجب حفظ اللسان من الحلف بغير الله لوجهين :

الأول : أن الحلف بغير الله شركٌ لفظي

الثاني : أن الحلف بالشيء  يقتضي تعظيمه والتعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى

(حديث ابن عمر  في الصحيحين) أن النبي r قال : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت .

(حديث ابن عمر  في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : من حلف بغير الله فقد أشرك .

حفظ اللسان عن الحلف بالأمانة

 (حديث بريدة  في صحيح أبي داود) أن النبي r قال :    قال :  من حلف بالأمانة فليس منا  . ‌

                                      حفظ اللسان عن الحلف باللات والعزى

 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : من حلف باللات والعزى فليقر لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه تعالَ أقامرك فليتصدق .

( حديث بريدة في صحيحي أبي داود والترمذي ) أن النبي r قال : من حلف فقال إني برئٌ من الإسلام ! فإن كان كاذباً فهو كما قال ، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً .

حفظ اللسان عن الحلف بالله كذباً

يجب حفظ اللسان عن الحلف بالله كذباً فإن من حلف بالله كذباً لم عظم الله تعالى حق تعظيمه

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض و عنقه مثنيِّة تحت العرش و هو يقول  :  سبحانك ما أعظمك  !  فيرد عليه  :  لا يعلم ذلك من حلف بي كاذبا  . ‌

حفظ اللسان عن اليمين الغموس

 

(حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح البخاري) أن النبي r قال : الكبائر  :  الإشراك بالله و عقوق الوالدين و قتل النفس و اليمين الغموس  . ‌

(حديث أبي أمامة في صحيح مسلم ) أن النبي r قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار و حرم عليه الجنة و إن كان قضيبا من أراك  . ‌

 

                           

 

 

مسألة : ما هو حكم المدح ؟

المسألة على التفصيل الآتي :

أولاً :إذا كان المدح فيه مبالغة أو كان الممدوح ممن يُخشى عليه العُجب كُرِره مدْحُه في وجهه كراهةً شديدةً وعليه تُحملُ الأحاديث الآتية :

    (حديث أبي موسى في الصحيحين)     قال : أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي r فقال : ويلك  !  قطعت عنق صاحبك ، مراراً ، ثم قال :  من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل  :  أحْسِبُ فلانا و الله حسيبه و لا أزكي على الله أحدا أحسِبه كذا و كذا إن كان يعلم ذلك منه  . ‌

(حديث المقداد في صحيح مسلم) أن النبي r قال : إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجههم التراب .

(حديث معاوية في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : إياكم والتمادحَ فإنه الذبح .

ثانياً : إذا كان الممدوح لا يُخاف عليه العجب ولا يخشى عليه من الاغترار فإنه يجوز مدحه مع عدم المبالغة لأنه من عرف نفسه لم يضره المدح كما قال بعض السلف ، وعليه تُحملُ الأحاديث الآتية

(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي)  أن النبي r قال :  نعم الرجل أبو بكر ، نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عُبيدة .

(حديث سعد في الصحيحين)  أن النبي r قال :إيه يا ابن الخطاب  !  و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا آخر. ‌

(حديث بريدة في صحيح الترمذي)  أن النبي r قال :  إن الشيطان ليخافُ منك يا عمر .

{تنبيه} :. ويستحب لمن زُكِيَ أن يقول : اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما يقولون .

(حديث عدي ابن أَرْطأة في صحيح الأدب المفرد) قال كان الرجل من أصحاب النبي r إذا زُكِيَ قال : اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما يقولون .

                                                                 

حفظ اللسان من اللعن

اللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى ، ويجب حفظ اللسان من لعن إنسانٍ بعينه أو دابة لتحريم ذلك

( حديث ثابت بن الضحاك  في الصحيحين)  أن النبي r قال : لعن المؤمن كقتله .

(حديث أبي الدرداء في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : لا يكون اللعانون شفعاء و لا شهداء يوم القيامة  .

(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي r قال : ليس المؤمن بالطعان و لا اللعان و لا الفاحش و لا البذيء  . ‌

(حديث عمران ابن حصين في صحيح مسلم)   قال بينما رسول الله r في بعض أسفاره ، وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ ، فضجِرت فلعنتها ، فسمع ذلك رسول الله r فقال : خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة .

{تنبيه} : يجوز لعن أصحاب المعاصي والكفار عموماً بدون تعيين أحدٍ بعينه

 قال تعالى: (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ) [سورة: هود - الآية: 18]

(حديث علي في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : لعن الله من لعن والديه و لعن الله من ذبح لغير الله و لعن الله من آوى محدثا و لعن الله من غير منار الأرض  . ‌

(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي r قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا من قبور  أنبيائهم مساجد .

(حديث جابر في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه  و شاهديه  وقال هم فيه سواء  . ‌

مسألة : هل يجوز لعن إنسانٍ بعينه ؟

لا يجوز لعن إنسانٍ بعينه وإن كان غارقاً في المعاصي إلى الأذقان حتى لو بلغت ذنوبه عنان السماء لأنك لا تدري بم يختم له ، فقد يُختم له بخير ، وإنما الأعمال بالخواتيم ، فلا يجوز لعن إنسان بعينه إلا من علمنا أنه مات على الكفر كأبي لهب وأبي جهل وفرعون وهامان وأشباههم .   

 

 

 

يجب على المسلم أن يحفظ لسانه من الوعد الكاذب لأنه من صفات المنافقين والعياذ بالله

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال  آية المنافق ثلاث  :  إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا ائتمن خان  .  ‌

(حديث عبد الله ابن عمرو في الصحيحين) أن النبي r قال  :  أربع من كن فيه كان منافقا خالصا و من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها  :  إذا ائتمن خان و إذا حدث كذب و إذا عاهد غدر و إذا خاصم فجر  . ‌

{تنبيه} : من أخلف الوعد لا يلحقه إثم إلا إذا تعمد إخلاف الوعد أما إذا لم يتعمد ذلك فلا يلحقه إثم ل قال تعالى: (ْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـَكِن مّا تَعَمّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً) [سورة: الأحزاب - الآية: 5] 

 

 

يجب على طالب العلم أن يحترز من رذيلة الكبر والعياذ بالله لأن المتكبر شأنه حقير وقدره صغير ولعله لا يزيد عند الله تعالى عن نقير أو قطمير ، تراه ينتفش كالديك ويختال كالطاووس ينظرُ إلى الناس شزراً بمؤخر العين ، فتبَّا ً لها من صفةٍ تهلك صاحبها في الدنيا وتكون سبباً في حرمانه من الجنة في الآخرة ، وقد ورد النكير الشديد في الكتاب والسنة الصحيحة على هذه الصفة الممقوتة وهاك بعضها : 

قال تعالى: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) [سورة: القصص - الآية: 83]

وقال تعالى: (وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [سورة: لقمان - الآية: 18]

*معنى (تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ) : أي تميله وتعرضُ به عن الناس تكبراً عليهم

ومعنى المرح التبختر

(حديث ابن مسعود  في صحيح مسلم)  أن النبي r قال :لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر فقال رجل   :  إن الرجل يحب أن يكون ثوبُه حسنا و نعله حسنة قال  :  إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غمطُ الناس  . ‌

بَطَرُ الحقِ : التكبر على الحق وعدم قبوله

غمطُ الناس : احتقارهم وازدرائهم

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال :لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بَطَرا  .

(حديث أبي هريرة  ‌ في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا يزكيهم و لا ينظر إليهم و لهم عذاب أليم  :  شيخ زان و ملك كذاب و عائل مستكبر  . ‌

(حديث أبي هريرة  ‌ في صحيح مسلم)  أن النبي r قال : قال الله تعالى : العزُ إزاري والكبرياءُ ردائي فمن نازعني عذبته .

مسألة : ما هو الكبر ؟

الكبر هو  بَطَرُ الحقِ و غمطُ الناس  بنص السنة الصحيحة

 

 

 

 ويجب على المسلم أيضاً الاحتراز من رذيلة العجب والعياذ بالله فإنه من الذنوب المهلكات وبه يحصل إحباط العمل

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال : بينما رجل يمشي في حلةٍ تُعْجِبْه نفْسُه     مُرَّجِلٌ رأسَه يختالُ في مِشْيته  إذ خسف الله به الأرض فهو يتجَلْجَلُ في الأرض  إلى يوم القيامة  . ‌                                  

مُرَّجِلٌ رأسَه : أي ممشطه

يتجَلْجَلُ في الأرض  : أي يغوصُ فيها

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال : ثلاث منجيات  :  خشية الله تعالى في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات  :  هوى متبع و شح مطاع و إعجاب المرء بنفسه  . ‌

(حديث معاوية في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي r قال : من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً ، فليتبوأ مقعده من النار .

معنى يتمثل له الرجال قياماً : ينتصب له الرجال تعظيماً

معنى فليتبوأ : أمر بمعنى الإخبار أي دخل النار إن سرَّه ذلك .

مسألة : ما الفرق بين الكبر والعجب ؟

الكبر أن يحتقر الناس ويرى أنه فوقهم ، والعجب أن ينظر إلى نفسه معجباً بها

 

 

 

ويحب على المسلم أن يحترز من رذيلة البخل فإنه داءٌ وبيل ومرضٌ خطير وشره مستطير وهو من الذنوب المهلكات ، وإذا كان الرجل شحيحاً والعياذ بالله لم يوفق لأعمال البر

قال تعالى: (وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ،وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ ،فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ) [سورة: الليل - الآية: 10]

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره :

قوله تعالى:" فسنيسره " أي نسهل طريقه. " للعسرى" أي للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها.

و قال تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة: التغابن- الآية: 16]

والشح سبباً عظيماً من أسباب الهلاك والتلف بنص السنة الصحيحة .

(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي r قال : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم و حملهم على أن سفكوا دماءهم و استحلوا محارمهم

الشاهد: قوله r : ( واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم  )  من الأمم  (  وحملهم على أن سفكوا دماءهم  )  أي اسالوها بالقوة الغضبية بخلا بالمال وحرصاً على الاستئثار به  (  واستحلوا محارمهم  )  أي استباحوا نساءهم أو ما حرم الله من أموالهم وغيرها وهذا على سبيل الاستئناف فإن استحلال المحارم جامع لجميع أنواع الظلم وعطفه على سفك الدماء عطف عام على خاص .

 

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي r قال :  ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما  :  اللهم أعط منفقا خلفا و يقول الآخر  :  اللهم أعط ممسكا تلفا  . ‌

(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي r قال : ثلاث منجيات  :  خشية الله تعالى في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات  :  هوى متبع و شح مطاع و إعجاب المرء بنفسه  . ‌

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي r قال :لا يجتمع غبار في سبيل الله و دخان جهنم في جوف عبد أبدا و لا يجتمع الشح و الإيمان في قلب عبد أبدا  . ‌

 

 

 

 

من الصفات الرذيلة التي يجب على المسلم أن يحترز منها رذيلة الحرص والطمع فإن الحرص على المال يفسد الدين بقدر أكبر من الفساد الحاصل من إرسال ذئبين جائعين على غنم ، أي يفسد فساداً بيناً بلا روية

(حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي)  أن النبي r قال : ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه  . ‌

مقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً  للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً   ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً  .

{تنبيه} : من أجل ذلك نهى النبي r عن  الحرص على المال وأمر بالاقتصاد فيه وعدم الانكباب عليه واليقين بأن نفساً  لن تموت وحتى تستوفي رزقها و إن أبطأ عنها  وأن الرزق  

(حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : أيها الناس اتقوا الله و أجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها و إن أبطأ عنها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب خذوا ما حل و دعوا ما حرُم  . ‌

أيها الناس اتقوا اللّه وأجملوا في الطلب  )  ترفقوا في السعي في طلب حظكم من الرزق  (  فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها  )  فهو لا بد يأتيها فلا فائدة للانهماك والاستشراف والرزق لا ينال بالجد ولا بالاجتهاد وقد يكدح العاقل الذكي في طلبه فلا يجد مطلوبه والغر الغبي يتيسر له ذلك المطلوب ، وهذه المطالب إنما تحصل وتسهل بناء على قسمة قسَّام لا يمكن منازعته ومغالبته {نحن قسمنا بينهم معيشتهم  } فقد ترى  أحمقاً مرزوقاً وعالماً محروماً ، وقرن ذلك بالأمر بالتقوى لأنها من الأوامر الباعثة على جماع الخير إذ معها تنكف النفس عن أكثر المطالب وترتدع عن الشهوات وتندفع عن المطامع ومن ثم كرر لك فقال  (  فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب  )  أي اطلبوا الرزق طلباً رفيقاً وبين كيفية الإجمال بقوله فيه  (  خذوا ما حل  )  لكم تناوله  (  ودعوا  )  أي اتركوا  (  ما حرم  ) 

(حديث أبي الدرداء في صحيح الجامع)   أن النبي r قال : الرزق أشد طلبا للعبد من أجله  . ‌

(  (الرزق أشد طلباً للعبد من أجله  )  لأن اللّه تعالى وعد به بل ضمنه ووعده لا يتخلف وضمانه لا يتأخر ومن علم أن ما قدر له من رزقه لا بد له منه علم أن طلبه لما لا يقدر له عناء لا يفيد ولهذا قال بعض الأنجاب  :  الرزق يطرق على صاحبه الباب وقال بعضهم  :  الرزق يطلب المرزوق وبسكون أحدهما يتحرك الآخر  . 

والسقيم عاجز والعمر الذي أعطى به يقوم العبادة والصحة مع الفقر خير من الغنى مع العجز والعاجز كالميت  (  وطيب النفس من النعيم  )  لأن طيبها من روح اليقين وهو النور الوارد الذي أشرق على الصدر فإذا استنار القلب ارتاحت النفس من الظلمة والضيق والضنك فإنها لشهواتها في ظلمة والقلب مرتبك فيها فالسائر إلى مطلوبه في ظلمة يشتد عليه السير ويضيق صدره ويتنكد عيشه ويتعب جسمه فإذا أضاء له الصبح ووضح له الطريق وذهبت المخاوف وزالت العسرة ارتاح القلب واطمأنت النفس وصارت في نعيم

(حديث عبيد الله ابن محصن في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال : من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها

  . ‌  (من أصبح منكم آمنا في سِربه  )  أي في بيته

 (  معافى في جسده  )  أي صحيحاً بدنه  

(  عنده قوت يومه  )  أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك  

  يعني من جمع اللّه له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله

(  فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها  )  كأنما أعطي الدنيا بأسرها

{تنبيه } : ويجوز الاستكثار من المال الحلال ما لم ينكب الإنسان عليه مع صلاح النية من إعطاء حق الله تعالى فيه وصلة الرحم ومساعدة المحتاجين .

(حديث عمرو بن العاص في صحيح الأدب المفرد) أن النبي r قال : نعم المال الصالح للمرء الصالح .

(حديث يسار بن عُبيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي r قال : لا بأس بالغنى لمن اتقى و الصحة لمن اتقى خير من الغنى و طيب النفس من النعيم  . ‌

 (لا بأس بالغنى لمن اتقى  )  فالغنى بغير تقوى هلكة  ،  يجمعه من غير حقه ويمنعه ويضعه في غير حقه فإذا كان مع صاحبه تقوى فقد ذهب البأس وجاء الخير قال محمد بن كعب  :  الغني إذا اتقى آتاه اللّه أجره مرتين لأنه امتحنه فوجده صادقاً وليس من امتحن كمن لا يمتحن  (  والصحة لمن اتقى خير من الغنى  )  فإن صحة البدن عون على العبادة فالصحة مال ممدود

(حديث أبي كبشة الأنماري في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال :  إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ

 رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ  الْمَنَازِلِ عند الله  وَرجلٍ  رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ

 

 يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ

 سَوَاءٌ ،  وَرجلٍ  رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ

 رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو  بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله  وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ

 مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ

قال سعيد ابن المسيب رحمه الله تعالى : لا خيرَ فيمن لا يريد المال من حِله يكفُ به وجهه عن الناس ، ويصل فيه رحمه ويعطي منه حقه .

وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى : المال في زماننا هذا سلاحُ المؤمنين 

وقال الفُضَيلُ ابن عِياض لابن المبارك رحمها الله تعالى :أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبُلغة ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خُرسان إلى  البلد الحرام كيف ذاك ؟  

فقال ابن المبارك رحمه الله تعالى : يا أبا علي إنما أفعل ذلك لأصون به وجهي وأكرم به عرضي وأستعين به على طاعة ربي ، لا أرى لله حقاً إلا سارعت إليه حتى أقوم به ، فقال الفضيل : ما أحسن ذا إذا تم ذا .  

وقال ابن المبارك مرةً للفضيل : لولا أنت وأصحابك ما اتجَّرت .

 

وقال ابن المبارك مرةً : لولا خمسةٌ ما اتجَّرت ، السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية